شكل العلاقة المستقبلية بين الأردن وفلسطين
بمناسبة التصريحات التي نسبت للرئيس الفلسطيني محمود عباس بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إقترح عليه إنشاء دولة كونفدرالية مع الأردن، وإدعاء صحيفة هاراتس الإسرائيلية بأن الرئيس عباس إشترط الموافقة اذا شملت الكونفدرالية الأردن وفلسطين وإسرائيل، وما صدر من تصريحات عن الرئاسة الفلسطنية أشارت خلالها الى أن التصريحات المنسوبة للرئيس عباس غير دقيقة ومجتزأة، وأن موضوع الكونفدرالية مع الأردن مطروح على جدول أعمال القيادة االفلسطينية منذ عام (1984) ، وأن موقف القيادة الفسطينية هو دعم حل الدولتين ، فيما يلي أبرز ملاحظاتنا على هذا الموضوع وشكل العلاقة المستقبلية الاردنية – الفلسطينية :
– الاتحاد الكونفدرالي هو أضعف أنواع الإتحادات بين الدول وهو عبارة عن رابطة هشة تتشكل بين دولتين أو أكثر وتتمتع كل دولة بالسيادة الكاملة والاستقلالية ، ويهدف هذا الإتحاد لتنسيق سياسات الدول الأعضاء في مجالات مختلفة عن طريق بعض الهيئات المشتركة ذات الصلاحيات الواسعة، كما تقوم الكونفدرالية على مبدأ احترام السيادة الدولية لجميع الاعضاء.
– العلاقات التي تجمع بين الشعبين العربيين الأردني والفلسطيني علاقات تاريخية وجغرافية وديمغرافية، ولا أحد يزاود حول طبيعة هذه العلاقات، والأردن قيادة وشعبا داعم لطموحات الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة على الأرض الفلسطينية .
– الضفة الغربية كانت جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية ضمن علاقة وحدوية في الفترة ما بين (1950 – 1967)، والتي للأسف لم تلق إعترافا عربيا وواجهت معارضة من بعض الزعامات الفلسطينية، وتشكلت منظمة التحرير الفلسطينية عام( 1964) بدعم مصري وعربي لتكون المتحدث بإسم الشعب الفلسطيني، في إشارة فلسطينية لرفض علاقات الوحدة القائمة بين الأردن والضفة الغربية انذاك، ومنذ ذلك التاريخ دخلت العلاقات الأر دنية – الفلسطينية مرحلة عدم الثقة والتنافس على تمثيل الشعب الفلسطيني، توجت للأسف بالصدام المسلح بين الأردن والتنظيمات الفدائية الفلسطينية عام ( 1970)، وإضطر الأردن عام( 1974) تحت ضغط عربي في قمة الرباط للإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، كما قام الأردن بفك الإرتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية عام (1988) لتعزيز الطموحات الفلسطينية بإقامة الدولة الفلسطينية .
– برز طموح فلسطيني منذ عام( 1964) لإقامة دولة فلسطينينة مستقلة، بعيدا عن أي علاقة وحدوية مع الأرن ، حيث كانت القيادة الفلسطينية ترفض إعادة الضفة الغربية للأردن في أي مفاوضات وفقا للقرارات الدولية (242، 338)وتفضل بقاءها تحت الإحتلال على أن تعود للأردن ،لأنها تنظر للأردن كمنافس لها على الأرض والشعب الفلسطيني معا، بينما إسرائيل تنافسها على الأرض، وقد توجت القيادة الفلسطينية بزعامة الرئيس الراحل ياسر عرفات هذا الطموح بتوقيع إتفاق أوسلو عام (1993) دون التنسيق مع الأردن، علما بأن الأردن وفلسطين كانا ضمن وفد واحد مشترك للتفاوض حول عملية السلام ،وهو ما يعكس حقيقة علاقة عدم الثقة والشك بين الجانبين، وقد إعترف الأردن بالخيار الفلسطيني، رغم إدراكه بأن إتفاق أوسلو لن يحقق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية .
– سبق أن إستخدم الرئيس الراحل ياسرعرفات فكرة إقامة علاقة كونفدرالية مع الأردن كورقة ضغط على الأردن، خاصة بعد توقيع اتفاق أوسلو الذي لم يحقق هدف إقامة الدولة الفلسطينية ، وكان رد جلالة الراحل العظيم الملك الحسين رحمه الله ، برفض أي علاقة إتحادية مع فلسطين قبل إقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وبإرادة وموافقة الشعبين الأردني والفلسطيني من خلال إستفتاء الشعبين .
– حول فكرة الكونفدرالية الثلاثية بين الأردن وفلسطين وإسرائيل ، فقد سبق أن حاولت الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل عام (2009) تسويق مشروع سياسي – إقليمي لحل القضية الفلسطينية بإقامة علاقة كونفدرالية ثلاثية أردنية – فلسطينية –إسرائيلية، تحت إسم (كونفدرالية الأراضي المقدسة) وتولى الدبلوماسي الأمريكي (كريستوفر هالينج)، تسويق هذا المشروع ، وكان يتضمن إقامة إتحاد سياسي كونفدرالي عاصمته القدس بين الدول الثلاث
هي الاردن وعاصمتها عمان وفلسطين وعاصمتها رام الله واسرائيل وعاصمتها تل ابيب على ان تبقى القدس ممثلة للاتحاد الثلاثي الكونفدرالي وعنوانا يمثل الأديان الثلاثة ومحجا لسياحة دينية عالمية تدعمها الولايات المتحدة واوروبا، وبذلك يتم حل مشكلة القدس ، أما قضية اللاجئين فيتم حلها من خلال منحهم جنسية الدولة الجديدة والسماح لهم بحق العودة للأردن وفلسطين فقط، وكون فلسطين تعتبر منطقة طاردة فإنهم سيعودون للأردن فقط ، وبالتالي حل مشكلة اللاجئين في الأردن .
– يبدو أن صفقة القرن، التي يعلن الأردن بأنه لم يطلع على تفاصيلها، تهدف في النهاية الى إقامة دولة فلسطينية شكلية عاصمتها ابو ديس، ومحاولة ربط ما تبقى من الكثافة الفلسطينية في مدن الضفة الغربية مع الأردن بعلاقة كونفدرالية ، وهو ما يعني تصفية القضية الفلسطينية وحلها في الأردن، علما بأن إجراءات تطبيق صفقة القرن تسير على قدم وساق ((نقل السفارة الأمريكية الى القدس، إقرار قانون يهودية الدولة في إسرائيل ، محاولة تصفية قضية اللاجئين من خلال وقف الدعم الأمريكي للأونروا والتشكيك بعدد اللاجئين الحالي البالغ حوالي (5.5) مليون لاجئ ))، وأما قضية قطاع غزة فيبدو بأن حلها سيكون بالتنسيق مع مصر .
– رغم إعلان القيادة الفلسطينية رفضها لصفقة القرن وقطع الإتصالات مع الولايات المتحدة وإسرائيل ، إلا أنه يخشى أن تكون هناك إتصالات سرية بينهم على غرار أوسلو .
– الأردن يراهن على الشعب الفلسطيني لإفشال أي مخططات لتصفية قضيته تحت أي مسمى، وكذلك يراهن على الوقت وإحتمال حدوث تطورات إقليمية ودولية تجمد مشاريع تصفية القضية الفلسطينية .
وعلى ضوء ما تقدم من معطيات ، فإنه مطلوب من صانع القرار الأردني الإنتباه لما يخطط له من مشاريع لتصفية القضية الفلسطينية ومحاولات إيجاد حلول في الأردن ، فالأردن دولة مستقلة ذات سيادة ، ولن يقبل من أي طرف كان سواء كان أمريكيا او فلسطينيا أو إسرائيليا إقرار شكل العلاقة الأردنية – الفلسطينية .
وفي هذا الإطار نقترح على صانع القرار الأردني ما يلي:
أولا : تحذير القيادة الفلسطينية من التعاطي مع أي مشاريع تخص شكل العلاقة المستقبلية مع الأردن دون إطلاع الأردن عليها، ورفض مناقشة أي علاقة إتحادية وتحت أي مسمى مع السلطة الفلسطينية بشكلها ووضعها الحالي، حتى تقوم دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية ، وبموافقة الشعبين الأردني والفلسطيني، حيث أن السلطة الفلسطينية ليست دولة ولا تمتلك من مظاهر السيادة شئ، كما أن المشاريع المطروحة لحل القضية الفلسطينية لن تقيم دولة فلسطينية كاملة السيادة.
ثانيا : إستمرار تأكيد ودعم الأردن لخيار حل الدولتين، رغم صعوبة تطبيق هذا الخيار على أرض الواقع في ظل الإجراءات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة لتفريغ هذا الخيار من مضمونه، مع الإشارة الى أن قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية هو مصلحة وطنية عليا للأردن، ولأن عدم قيامها يهدد وجود الدولة الأردنية ويحصر الحلول في الأردن .
ثالثا: دراسة إمكانية إعادة فتح قنوات إتصال مع حركة حماس التي ترفض أي حلول للقضية الفلسطينية على حساب الأردن .
رابعا : تشكيل خلية أزمة أمنية – سياسية في الأردن(بإدارة دائرة المخابرات العامة) تتابع تطورات الملف الفلسطيني والخيارات المتاحة للأردن للتعامل مع هذا الملف، حتى لا يفاجأ الأردن بتوقيع إتفاق فلسطيني – إسرائيلي جديد لا يراعي المصالح الأردنية كما حدث سابقا بتوقيع إتفاق أوسلو، خاصة في ظل الواقع العربي وتراجع الإهتمام بالقضية الفلسطينية ودعم بعض الدول العربية وبعض الأطراف الفلسطينية للمشاريع الأمريكية لحل القضية الفلسطينية .


التعليقات مغلقة.