صحيفة الكترونية اردنية شاملة

«رقصة عربية» لإدوارد غريغ بقلم: ابراهيم العريس

من المعروف أن شهرة الكاتب المسرحي النرويجي هنريك إبسن كبيرة في العالم العربي، حيث تُرجمت مسرحياته – بل حتى صدرت في طبعة موحدة منذ فترة عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، تجمع الكثير من الترجمات التي يبدو بعضها مميزاً. ولعل «بير جنت» التي تبدو الأقل واقعية بين تلك المسرحيات، تعتبر واحدة من أشهرها. غير أن ما يبدو مستغرباً هنا هو أن معظم القراء العرب الذين قرأوا هذه المسرحية، بل ربما قُيّض لهم أن يروها على الخشبة في عرض ما، يجهلون أن ثمة عملاً فنياً نرويجياً آخر يحمل العنوان ذاته ولا يقل شهرة في النروبج عن مسرحية إبسن. والسبب بسيط: العمل الآخر موسيقي كتبه صاحبه إدوارد غريغ في الأصل على شكل موسيقى مصاحبة للعروض الأولى لمسرحية إبسن ذاتها، والتي قدمت عام 1876. ومن المعروف أن غريغ عاد بعد أن عاشت موسيقى المسرحية حياتها، ليحوّلها عام 1888 مستخلصاً منها ثماني حركات رئيسية جاعلا منها متتابعتين تقع كل منهما في أربع حركات. ومنذ ذلك الحين، استقل هذا العمل المزدوج عن المسرحية الإبسنية الأصلية. ثم حدث بعد ذلك أن راح عدد من الحركات يستقلّ أيضاً ويتحول إلى عمل موسيقي منفرد. ويمكننا أن نقول أنه أمر لم يحدث لكثير من الأعمال الموسيقية في أي حال.

> مهما يكن، فقد يكون القارئ تساءل وهو يقرأ السطور الأولى من هذا النص عما جعلنا نذكر القراء العرب في هذا المجال، ونشير إلى احتمال عدم معرفتهم بتلك الموسيقى وبوجودها أصلاً. حسناً… هنا، تبدو المسألة بسيطة ومنطقية أيضاً. فالحقيقة أن المتتالية الثانية تحمل بين مقطوعاتها الأربع تلك القطعة المعنونة «رقصة عربية»، والتي باتت مع مرور الوقت، أشهر مقطوعات ذلك العمل الموسيقي وأكثرها شعبية، إذ ظهرت في زمن كان كل شيء عربي في مجال الفن، يبدو على الموضة وصنواً للرومانسية التي غاص فيها جمهور أوروبي عريض. والحقيقة أن الإنصاف يقتضي منا أن نشير إلى أنه إذا كانت تلك الدقائق الموسيقية الممتعة، لا تشغل في المتن الموسيقي الذي صاحب تقديم المسرحية، سوى حيّز ضيّق بالكاد يمكن أحداً أن يلحظه في السياق الحدثي، إنما الشاعري للمسرحية، فإنه حين صار جزءاً بارزاً من المتتابعة، ثم عملاً موسيقياً يقدَّم منفرداً، اتخذ حياة ومساراً آخرين، حتى وإن كان عجز عن أن يحقق ليس في أوروبا – ولا طبعاً في العالم العربي – جزءاً من ذلك الحضور الذي كان من نصيب عملين «عربيين» معاصرين له تقريباً: «شهرزاد» و «عنترة» للروسي رمسكي كورساكوف. ولعل السبب أن النرويج تبدو بعيدة، حتى ولو كنا نعرف أن غريغ كتب موسيقى «رقصة عربية» وهو مقيم في إيطاليا غير بعيد من شواطئ البحر المتوسط العربية. ولعل في إمكان باحث ما، في تاريخ الموسيقى أو حضور «الرومانسية العربية» في الثقافة الغربية أن يفيدنا في دراسة يقدمها لنا ذات يوم حول ذلك الظلم الذي كان من نصيب إدوارد غريغ في الفضاء العربي، مرة مقارنةً بشهرة مواطنه إبسن في هذا العالم، ثم مرة ثانية مقارنة بشهرة رمسكي كورساكوف فيه نفسه. وفي انتظار ذلك، قد يجدر بنا أن نكون نحن من المنصفين هنا فنشير إلى أنه في مقابل «الكليشهات» الاستشراقية التي تطبع، وربما تخلق جمال، عملي الروسي الكبيرين، تبدو موسيقى «رقصة عربية» على انحدادها الزمني أكثر التصاقاً بما يمكننا أن نعتبره موسيقى عربية في تلك الحقبة من القرن التاسع عشر التي من الصعب في أي حال التفكير في أنها عرفت موسيقى عربية حقيقية خارج ما كان آتياً من الأندلس أو من حلب والعراق… ولا ريب أن «رقصة عربية» كانت من نسغ هذا الوافد العربي.
> مهما يكن فلا بد هنا من العودة إلى غريغ لنقول أنه لم يكن كبيراً عدد الذين وصلوا إلى العالمية من مبدعي النروج، ولكن من المؤكد أن الذي تخطى منهم حدود بلاده، وصل إلى العالمية بقوة وعن جدارة، وذلك لأنه يكون في عمله متجذراً في تربة بلاده وأحوال مجتمعه وضروب التعبير الشعبي فيه. وإذ نقول هذا تحضرنا أسماء كثيرة منها على سبيل المثل الرسام إدوارد مونش، والكاتب المسرحي هنريك إبسن، ولكن بخاصة هنا غريغ نفسه الذي كان طوال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر واحداً من أشهر الموسيقيين الأوروبيين؛ والمناسبة صالحة هنا للتذكير من جديد بأن غريغ يظل أقل المؤلفين الموسيقيين الأوروبيين شهرة لدى العرب من متذوقي الموسيقى الكلاسيكية، مع أن جزءاً من الموسيقى التي وضعها لـ «بير جنت»، موسيقى عربية خالصة تحمل بوضوح عنوان «رقصة عربية»، وتضاهي في جمالها العربي جمال موسيقى رمسكي كورساكوف في «شهرزاد» و «عنترة»، بحيث يحق للمرء أن يتساءل عن السبب الذي يجعل شهرة هذه القطع الأخيرة، في العالم العربي، كبيرة بينما لا يعرف «رقصة غريغ العربية» أحد.

> غير أن هذا ليس هو المهم طبعاً. المهم هو أن إدوارد غريغ لكي يكتب قطعته العربية التي لا تزيد مدة عزفها عن دقائق قليلة، انكب على قراءة ألف ليلة وليلة، وغاص في ما كان يعتبر في أوروبا فولكلوراً عربياً، واستمع إلى الكثير من قطع الموسيقى الرومانسية التي كانت أوروبا تكثر من تأليفها مرتبطة لديها بفكرة ما عن الشرق وعالمه السحري.
> ولم يكن اهتمام غريغ بالفولكلور العربي مصادفة في حياته، فهذا الموسيقي الفذ، والذي اشتهر بتعمقه بالدراسة وبتواضعه كان على غراره التشيخي بيلا بارتوك، من أولئك الموسيقيين الذين عمدوا دائماً إلى النهل من المنابع الشعبية الصافية للموسيقى، من هنا اتسمت موسيقاه، في قطعها الصغيرة في الأقل، بحس شعبي جعلها محببة إلى الناس قريبة إلى الأذهان، ما أمّن لصاحبها شعبية كبيرة، وجعل اسمه واحداً من الأسماء التي تخطر في البال ما إن يجري الحديث عن «المحلية التي تؤدي إلى العالمية».
> غريغ الذي مات عند مطالع القرن العشرين وتحديداً عام 1907، عاش طوال حياته للموسيقى، وذلك منذ كان في السادسة من عمره حين راحت أمه تلقنه أصول العزف على البيانو. ولقد أبدى الصبي في ذلك الحين من المهارة ما جعل مصيره يتقرر باكراً: سوف يكون موسيقياً. هكذا قالت الأم ووافق الأب، وتكوّنت حياة إدوارد غريغ. وهو كان في الثالثة عشرة حين التحق بكونسرفاتوار ليبزيغ وبدأ يتأثر بموسيقى الثنائي شومان وماندلسون. وفي 1883 توجه إلى كوبنهاغن حيث بدأ يتجه جدياً إلى التأليف الموسيقي شراكة مع المؤلف الموسيقي الشاب ريكارد توردراك الذي بدأ يؤثر فيه من حيث اهتمامه بالموسيقى الشعبية والقومية. وهكذا في الوقت نفسه الذي راح فيه غريغ يكتشف موسيقى شعب الشمال، بدأ يكتشف طبيعته الخاصة، وامتزج عنده العاملان في بوتقة واحدة أنتجت خلال تلك المرحلة الكثير من القطع والألحان، لا سيما الأغنيات الشعبية التي راحت تؤديها الفنانة نينا هاغرب، التي صارت زوجته وشريكته في حياتهما الموسيقية.
> عند ذلك، وبعد أن أسس نفسه محلياً، بدأ غريغ يتجول في بعض عواصم الموسيقى الأوروبية، لا سيما في روما التي التقى فيها هنريك إبسن وبدأ يكتب الموسيقى لبعض مسرحياته ومنها ما يهمنا هنا مسرحية «بير جنت»، كما التقى فرانز ليست الذي شجعه كثيراً لكي يواصل درب الاهتمام بالموسيقى الشعبية. وفي 1866، كان غريغ قد أضحى مؤلفاً مكرساً وأقام في كريستيانا (الاسم القديم للعاصمة هلسنكي) حيث منحته الحكومة مرتباً سنوياً يمكّنه من التفرغ للتأليف… لكنه ما لبث أن ملّ حياة الاستقرار وعاد يتجول في أوروبا، حيث يقدم الحفلات الموسيقية ويعزف فيها على البيانو أجمل أعماله. ولقد أثّر اتجاهه الشعبي في الكثير من الموسيقيين الأوروبيين في ذلك الحين، بخاصة أن المشاعر القومية كانت قد بدأت تهيمن على قطاعات عدة من المثقفين الأوروبيين.
> بين عام 1867 وعام 1901، أنتج غريغ عدداً كبيراً من الأعمال الكبيرة، من بينها «عشر قطع غنائية» للبيانو، كما ألف الكثير من السوناتات والكونسرتو للبيانو، والرباعيات، إضافة إلى كتابته سوناتات عدة للكمان. أما أشهر أعماله فتبقى موسيقى «بير جنت» لمسرحية إبسن، وموسيقى هولبرغ، إضافة إلى اشتغاله المتواصل على الرقصات الشعبية النرويجية، وإعادة اكتشافه الكثير من الأغاني الفولكلورية وتحديثها، بخاصة وضعه لـ «الرقصات النرويجية الفلاحية»… وهذا كله جعل أوروبا تلقبه بـ «شاعر الموسيقى الشعبية».الحياة

التعليقات مغلقة.