علم السنن الالهية: من الوعي النظري الى التأسيس العملي
لمؤلفه د. رشيد كهوس
مراجعة: د. جمال الحمصي
بعد سبات عميق، تزايد الاهتمام الفكري مؤخراً من قبل الباحثين العرب بقوانين النهضة من منظور قرآني، أي بعلم أو فقه السنن الالهية بصورته العامة.
ويعتبر الكتاب قيد المراجعة “علم السنن الالهية: من الوعي النظري الى التأسيس العملي” (2015) لمؤلفه الدكتور الفاضل رشيد كهوس من المغرب احدى حلقات هذا الاهتمام المتزايد. ومن الكتب التي صدرت أيضاً مؤخراً في نطاق الموضوع ذاته كتاب “سنن العمران البشري في السيرة النبوية” (2018) وكتاب “علم العمران الخلدوني” (2012) وكلاهما من اصدار ونشر المعهد العالمي للفكر الاسلامي.
الكتاب الهام أعلاه “علم السنن الالهية” يتناول ما أطلق عليه الكتاب بحق تعبير “الفقه الأكبر” وهو فقه الحياة، وما أطلق عليه ابن خلدون “علم العمران البشري”. فكما أكد الشيخ محمد الغزالي، فان السنن الاجتماعية الربانية (كسنة الأخذ بالأسباب) هي قوانين لا بد من مراعاتها، ودراسة هذه السنن المجتمعية أجدى لأمتنا من فروع الفقه التفصيلي كفقه الطهارة وأنواع الثمن والإجارة- دون التقليل من أهمية الفروع. هذا المنظور الكلي والاستشرافي والاستراتيجي للفقه والعلم يتطلب معرفة ورؤية وعقلية سننية مختلفة عن السائد حتى وقت قريب.
يتألف الكتاب قيد البحث (336 صفحة) والصادر عن مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي من تسعة مباحث، المبحث الأول هو حول تعريف وتأصيل السنن الإلهية، وعرفها الكتاب بأنها “الطريقة المتبعة في معاملة الله تعالى للبشر.. والنظام الذي أقام عليه الكون والحياة، والقوانين التي بثها في هذا الوجود وأخضع لها جميع مخلوقاته”.
وبالتالي فان السنن الربانية هي بتعبير آخر “قوانين المجتمعات والحياة البشرية” التي أخفق العلم الاجتماعي الوضعي الحديث في التوصل اليها، رغم مرور ما لا يقل عن مئة عام من تأسيس معظمها، بل ان بعض هذه العلوم الاجتماعية الحديثة أسس منذ أكثر من 200 سنة كعلم الاقتصاد الغربي الذي لم يحل دون حدوث الأزمات المالية والاقتصادية العالمية في عامي 1929 و 2008، على سبيل المثال. كما ان علم الاجتماع الحديث ينظر بعين العجز الى المشكلات الاجتماعية المعاصرة كالاجرام وتفكك الأسرة النووية وغياب النظام والمخدرات والعنف وغيرها الكثير.
وتناول المبحث الثاني أقسام السنن الإلهية، وصنفها الكتاب الى أربعة أنواع: السنن الكونية (آيات الآفاق)، والسنن الإنسانية ويتفرع عنها السنن الاجتماعية والسنن التاريخية، وسنن الهداية (التشريعية)، وسنن التأييد. وأعتقد بأن الأفضل فيما يخص علم السنن الالهية هو التركيز على “السنن الانسانية” تحديداً باعتبارها علم واقعي ووصفي وتقريري وليس علماً معيارياً وأخلاقياً ويوتوبياً، على أهمية المضامين المعيارية لهذه السنن في بناء المجتمعات والدول ونهضتهما على أسس علمية.
المباحث الثلاثة التالية فصّلت في مقاصد وآثار السنن، وقواعدها الكلية، ودواعي الاهتمام بالسنن الالهية. المبحث السابع تناول مسألة هامة وهي السنن الإلهية بين الوعي العملي والوعي النظري. والمبحث الثامن غطى منهج القرآن والسنة في عرض السنن الإلهية، كالصيغة الصريحة، والألفاظ الكونية، والاستفسارات الاستنكارية، وغيرها. وقدّم المبحث التاسع والأخير نماذج من السنن الإلهية، مركزأً على ثلاثة نماذج هي: سنة الله تعالى في تغيير النعم، وسنة الأخذ بالأسباب، وسنة الاختلاف. وتضمن الكتاب خاتمة تلخص أبرز النتائج العامة والجزئية.
وسنة “الأخذ بالأسباب” هي من أهم السنن القرآنية التمكينية للبشرية، وهي للأسف أحد أبرز “السنن المهجورة” في العالم العربي والاسلامي. وهي السنة التي لازمها العالم الغربي وأحدث من خلالها نهضة علمية وتقنية واقتصادية وعسكرية رفيعة، وبالاستعانة بمخزون الحضارات السابقة، بما فيها الحضارة الاسلامية في الأندلس. حدث هذا رغم الانتكاسة الروحية والتفاوتات الاجتماعية وغياب المعنى والغاية النهائية في الغرب، ناهيك عن الأزمات المالية والتقلبات الاقتصادية.
ولحسن الحظ ، فان سنة الأخذ بالأسباب لم يتجاهلها الفكر السنني المعاصر، وهنالك كتب بأكملها تفصل في الموضوع، وتؤكد ان القوانين السببية، في العالمين الطبيعي والاجتماعي، قد خلقها الله عز وجل للبشرية لكي تسخرها في عمارة الأرض. وهي لا تتنافي من قريب ولا بعيد القدر الالهي والمشيئة الربانية بعمارة الأرض- كما أشار الكتاب القيم قيد المراجعة.
فكما ان قانون الجاذبية وقانون الديناميكا الهوائية قد سُخّرت في صناعة الطيران المدني والدفاع، فان هنالك “قوانين سببية اجتماعية” ينبغي تسخيرها في تحقيق التنمية التشاركية والمستدامة في العالم العربي والاسلامي- كما نوهت بالتفصيل في مقالي السابق. فهل في هذه القوانين السببية الاجتماعية أيضاً اشكاليات في المفهوم أو في التطبيق؟!


التعليقات مغلقة.