«حرب .. من يقود العالم» ؟؟
بعيدا عن التفاصيل التي يغرقنا بها الاعلام الحربي الموجّه بين الاطراف المتعددة ، والذي غالبا ما يبتعد ويختلف كثيرا عمّا يدور على أرض الميدان وحتى في غرف المفاوضات المغلقة ،فان ما يجري على الارض الاوكرانية ليس مجرد حرب ضد أوكرانيا .. فموازين القوى محسومة مسبقا وان طال أمد الحرب .. لكن أوكرانيا هي أرض صراع بين «الكبار» ، ولأسباب شرحها ويشرحها كل طرف ..روسيا الاتحادية لها مبرراتها وأسبابها التاريخية والامنية والاستراتيجية .. وكذلك أوكرانيا لديها مبرراتها وأسبابها .
الحرب الروسية – الاوكرانية هي «حرب عالمية ثالثة «، أعدت لها القوى العظمى منذ سنوات طويلة .. وهي بين الكبار وتحديدا بين الولايات المتحدة الامريكية ومعها بريطانيا العظمى وفرنسا من ناحية وبين روسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفييتي ومعها الصين .. باقي الدول بما فيها الصناعية الكبرى مثل المانيا واليابان وكندا وايطاليا وغيرها ..وجميع دول العالم مشاركة وفقا لمصالحها بنسب بسيطة جدا ..أما الحرب العالمية الدائرة اليوم التي تخوضها الولايات المتحدة فهي ضمن حروبها المتواصلة من أجل تأكيد استمرار سيطرتها وهيمنتها على العالم .
– أميريكا هيمنت على العالم وحسمت مرحلة مهمة من الصراع في العام 1991 ( بعد حرب الخليج ) والتي لم تكن مجرد غزو عراقي على الكويت ، والدليل أن نتائج تلك الحرب كانت: ( انهيارالاتحاد السوفييتي – سقوط جدار برلين – وبدء مفاوضات مدريد للسلام ..الخ ).
– قبل ذلك – وبعد ذلك – فقد منع «صراع الكبار» قيام اتحاد اوروبي قوي الا من خلال انضوائه تحت مظلة «الناتو» الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية وبقي مجرد « سوق اوروبية « لا تقوى على مجاراة الاقتصاد الامريكي .
– الازمة المالية والاقتصادية العالمية (2008- 2009) أضعفت الولايات المتحدة الامريكية قليلا واضطرت لتوسيع قاعدة المشاركة في القرار الاقتصادي بظهور مجموعة الـ(20G ) بعد مجموعة الـ(G8) التي أصبحت مجموعة الـ(G7)باقصاء روسيا الاتحاية.
– انشغال الادارات الامريكية بمراقبة « التنّين الصيني» الذي تمدد سريعا وتوسع اقتصاديا وعسكريا الى درجة بات يهدد الهيمنة الامريكية على العالم وفرضت الولايات المتحدة عليه ولا زالت عقوبات اقتصادية ..سمح للقيصر الروسي المتطلع لعودة أمجاد السوفييت للاعداد جيدا اقتصاديا وعسكريا فغزا الشيشان ( 1991)واحتل جزءا من جورجيا ( 2008) ثم ضم القرم ( 2014) ، وزادته « العقوبات الاقتصادية» منذ ذلك العام منعة واستعدادا لمواجهة حتمية لحسم الصراع مع الولايات المتحدة .
– العالم بعد جائحة كورونا تغيّر وأصبح من الواضح تماما أن خارطة جديدة يراد اعادة رسمها مرّة أخرى ، وهناك دول لم تعد تقبل بالولايات المتحدة كلاعب أوحد في الساحة ،فهناك الصين الخارجة من»كورونا « أكثر قوة ،واستشعرت روسيا الاتحادية أنها المستهدفة في المرحلة الراهنة بالمواجهة مع امريكا قبل الصين .. لذلك كانت مستعدة واختارت التوقيت الذي تراه مناسبا والتي يمكن أن تكون فيه قادرة على قلب الطاولة – وفقا لحسابات الكرملين -.
– لذلك فان هذه « الحرب الثالثة « مشتعلة بقواعد جديدة وغير تقليدية كما الحربين العالميتين السابقتين .. وستطول تبعاتها حتى لو توقف هدير المدافع .. وبصور مختلفة …لأن الهدف الرئيس – على الاقل من قبل امريكا ومن معها – اضعاف روسيا الاتحادية وانهاكها عسكريا واقتصاديا .. وهذا أهم بكثير مما يجري على أرض أوكرانيا ( التي قد ينتهي بها المطاف الى أوكرانيا شرقية وأخرى غربية ) .. وأهم مما سيجري للشعب الاوكراني الذي بات لاجئا في جميع دول اوروبا.
– جميع دول العالم تعيد حساباتها في هذه «الحرب العالمية «وتحدّد مواقفها بناء على ذلك.. ومن هنا علينا أن نقرأ مواقف الدول تماما ، بدءا من الموقف التركي والايراني …وموقف العدو الاسرائيلي أيضا، فهناك اعادة تشكيل للعالم « بفاتورة مفتوحة « !
– كلما طالت الحرب – وهي مرشحة لذلك – كلما كانت حسابات الدول أكثر تعقيدا ..فهي حرب أعدّت روسيا الاتحادية فاتورتها وكلفتها الاقتصادية مسبقا ، والولايات المتحدة لديها الاستعداد للمضي بـ» شيك مفتوح « لكن هناك دول عديدة لن تقوى على دفع تكاليف»حرب الكبار»..الذين تحمّلوا كلفة كورونا التي زادت على(20 تريليون دولار) .. ولا ندري كم ستكلف هذه الحرب الاقتصاد العالمي من تريليونات ؟!الدستور



التعليقات مغلقة.