ذوقان الهنداوي.. الأستاذ الذي صنع جيلاً وأسهم في بناء دولة 1927-2005
في بلدة النعيمة بمحافظة إربد، ولد معالي الأستاذ ذوقان الهنداوي عام 1927 في بيئة وطنية أصيلة حملت معاني الكرامة والانتماء وخدمة الناس. ومن تلك البيئة الأولى بدأت ملامح شخصية أردنية استثنائية جمعت بين العلم، والخلق، والجرأة، والإيمان العميق بأن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان.
أنهى تعليمه الابتدائي في مدرسة بلدته النعيمة، ثم انتقل إلى مدينة إربد ليتابع مرحلة الدراسة الإعدادية، وهناك برز تفوقه العلمي المبكر ، فكان من الطلبة المتقدمين الذين لفتوا الأنظار بجدهم ونبوغهم. وفي عام 1943 ، وبسبب تفوقه، ابتعث إلى الكلية العربية في القدس، ذلك الصرح التعليمي الكبير الذي كان مقصداً للنخبة من أبناء المنطقة، فكانت القدس محطة مفصلية في تكوين وعيه العلمي والقومي والإنساني.
في عام 1947 حصل على شهادة الثانوية العامة الفلسطينية، ثم ابتعث إلى جامعة فؤاد الأول في القاهرة، حيث درس التاريخ، وتخرج عام 1950 حاملاً شهادة البكالوريوس. وفي القاهرة، لم يكن طالباً عادياً في قاعات الجامعة فقط، بل كان شاهداً على مرحلة عربية حافلة بالأفكار الكبرى، والنقاشات القومية، والتحولات السياسية التي صاغت وعي جيلٍ كامل. ثم تابع مسيرته العلمية لاحقاً، فحصل على درجة الماجستير من جامعة ميرلاند الأمريكية في التعليم المتطور عام 1956.
بدأ حياته المهنية معلماً في مدرسة الكرك الثانوية عام 1951 ، ثم في مدرسة إربد الثانوية عام 1952. ومنذ بداياته، لم يكن التعليم بالنسبة إليه وظيفة، بل رسالة علم وربّى وترك أثراً في أجيالٍ حملت لاحقاً مسؤوليات كبرى في الدولة والمجتمع. ومن التعليم إلى الإدارة، ومن المدرسة إلى مؤسسات الدولة، اتسعت تجربته حتى أصبح واحداً من أبرز رجالات التربية في الأردن.
تولى مواقع تربوية وإدارية متعددة، من بينها عمله في دار المعلمين في بيت حنينا خلال الفترة 1955-1960، ثم عمله مديراً للشؤون الاجتماعية في وكالة الغوث عام 1962، ثم ملحقاً ثقافياً في ا السفارة الأردنية في القاهرة عام 1964، قبل أن يعود إلى عمان ويُعيّن وكيلاً لوزارة الإعلام.
وفي عام 1965، اختاره الشهيد وصفي التل وزيراً للإعلام في حكومته الثانية، وكان يومها في الثامنة والثلاثين من عمره، ليكون من أصغر الوزراء في تاريخ الحكومات الأردنية. وبعد تعرضه لحادث سير صعب، عينه وصفي التل وزيراً للتربية والتعليم، وهو ما يزال في مرحلة العلاج لتبدأ واحدة من أهم مراحل البناء التربوي في الأردن الحديث.
حمل معالي الأستاذ ذوقان الهنداوي حقيبة التربية والتعليم مرات عديدة، وارتبط اسمه بمشروع وطني كبير عنوانه: التعليم للجميع. عمل على توسيع رقعة المدارس وتطوير التعليم، والاهتمام بالمعلم، وفتح أبواب المعرفة أمام القرى
والبوادي والمدن، مؤمناً بأن المدرسة ليست مبنى بل بداية نهضة ، وأن الطفل المتعلم هو أساس الدولة الحديثة.
وعلى مدى عقود، خدم الأردن في مواقع متعددة: وزيراً، وسفيراً، وعضواً في مجلس الأمة، ورئيساً للديوان الملكي الهاشمي، ورجل دولة يحظى بالثقة والاحترام. كان قريباً من الناس، صادقاً في مواقفه، واضحاً في لغته، ثابتاً في مبادئه، عروبياً في وجدانه، ووطنياً في سلوكه.
عرفته الدولة رجل أزمات وحكمة. وعرفه الناس إنساناً بشوشاً لا تفارق الابتسامة وجهه. وعرفه طلابه ومحبوه باسم ظل الأقرب إلى قلبه من كل الألقاب: “الأستاذ”. فذلك اللقب لم يكن مجرد وصف مهني، بل خلاصة رسالة عاش لها: صناعة الأجيال، وخدمة الوطن والانحياز إلى المعرفة والإنسان.
في الثاني من تموز عام 2005، رحل معالي الأستاذ ذوقان الهنداوي، لكن أثره لم يرحل بقي حاضراً في ذاكرة الأردن، وفي مسيرة التعليم، وفي وجدان كل من آمن أن الرجال العظام لا تقاس سيرتهم بعدد المناصب، بل بحجم الأثر الذي يتركونه في الناس والوطن.
وفي الذكرى السنوية الحادية والعشرين لرحيله لا نستحضر سيرة رجلٍ واحد فحسب بل نستحضر سردية جيل كامل من رجالات الأردن الذين آمنوا بأن المعرفة أساس النهضة، وأن الدولة تُبنى بالعقول قبل الحجر، وبالقيم قبل السلطة.



التعليقات مغلقة.