صحيفة الكترونية اردنية شاملة

من المنفعة الحدّية إلى المحفظة السيادية: كيف يعيد الأردن هندسة الدين لحماية النمو؟

 

بقلم: رانيا أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

لا يكمن السؤال الحقيقي في ملف الدين العام الأردني في حجم الرصيد القائم وحده، ولا في القدرة على دفع الاستحقاقات عند حلولها. السؤال الأدق هو: ماذا تضيف كل عملية تمويل جديدة إلى قدرة الاقتصاد على النمو، وعلى امتصاص الصدمات، وعلى حماية الاستقرار المالي؟

في علم الاقتصاد، تشرح «المنفعة الحدّية» مقدار القيمة الإضافية التي تتحقق من كل وحدة جديدة يتم الحصول عليها أو استخدامها. أما «المنفعة الكلية» فهي المحصلة النهائية لجميع تلك الوحدات. يبدأ الأمر عادة بعائد مرتفع، ثم تتراجع قيمة الإضافة الجديدة كلما تكرر استخدامها في الغرض نفسه من دون توسع موازٍ في الإنتاج أو الكفاءة.

هذا المفهوم لا ينتمي إلى قاعة محاضرات فقط. إنه يفسر جانباً مهماً من إدارة الدين العام. فالتمويل، في ظروف معينة، يكون ضرورة لحماية الاقتصاد من صدمة خارجية، أو تمويل خدمة أساسية، أو استكمال مشروع وطني لا يحتمل التأجيل. لكن منفعته الحدّية تبدأ بالتراجع حين يذهب الجزء المتزايد من التمويل إلى خدمة التزامات سابقة، من دون أن يولّد طاقة إنتاجية أو إيرادات أو وفورات جديدة.

لهذا لا ينبغي التعامل مع الدين العام كرقم منفصل عن سياقه. الدين ليس كتلة واحدة؛ إنه محفظة تضم آجالاً مختلفة للاستحقاق، وأسعار فائدة، وعملات، ومصادر تمويل، ومخاطر مرتبطة بظروف الأسواق العالمية. وقد يكون الدين نفسه أداة حماية حين تُدار هذه العناصر بحكمة، وقد يصبح مصدر ضغط إذا اجتمعت الاستحقاقات في توقيت صعب أو ارتفعت كلفة إعادة التمويل أو ضاقت البدائل.

من هنا تبرز أهمية السياسة التي اتبعتها وزارة المالية في إعادة هيكلة محفظة الدين العام. فجوهرها لا يتمثل في تأجيل الاستحقاقات، بل في إعادة توزيع المخاطر: تمويل مبكر قبل حلول آجال ضاغطة، واستبدال تمويلات مرتفعة الكلفة بأخرى ميسرة وأطول أجلاً، وتنويع مصادر التمويل، وتحسين شروط الاقتراض بما يحد من التعرض لتقلبات أسعار الفائدة والأسواق.

وقد ظهر أثر هذا النهج في مسار كلفة الدين. فبيانات المالية العامة لعام 2025 تشير إلى أن الزيادة السنوية في فوائد القروض الداخلية والخارجية تراجعت من 396 مليون دينار في عام 2024 إلى 90.9 مليون دينار في عام 2025. كما تباطأ نمو فاتورة الفوائد من 22.6% إلى 4.2%.

هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة دقيقة. فهي لا تعني أن فاتورة الفوائد انخفضت؛ إذ ارتفعت من نحو 2.15 مليار دينار في عام 2024 إلى قرابة 2.24 مليار دينار في عام 2025. لكن ما تغير هو سرعة الارتفاع. وهذا فرق جوهري في إدارة المالية العامة: عندما تُكسر وتيرة تصاعد الكلفة، يُمنح صانع القرار مجالاً أوسع لحماية الإنفاق التنموي وتفادي أن تصبح خدمة الدين منافساً دائماً للاستثمار في المستقبل.

إن خفض سرعة نمو كلفة الفوائد هو، في جوهره، استعادة لجزء من المنفعة الحدّية للتمويل. فالدين الجديد لا ينبغي أن يكون أداة لتدوير الدين القديم فقط، بل وسيلة لخفض مخاطر المحفظة وتحسين شروطها وشراء وقت اقتصادي أكثر إنتاجية.

وتشكل معالجة استحقاقات اليوروبوند مثالاً واضحاً على ذلك. فإطفاء سندات مستحقة عبر حزمة تمويلات ميسرة لا يمثل مجرد تسديد التزام قائم، بل إعادة هندسة للكلفة والأجل ومخاطر إعادة التمويل. والمغزى هنا ليس أن الاقتراض يختفي، بل أن الدولة تتجنب الاضطرار إلى الاقتراض في اللحظة الخطأ، وبالسعر الخطأ، وتحت ضغط سوق لا يراعي احتياجاتها التنموية.

هذه هي فلسفة «المحفظة السيادية الذكية»: إدارة الدين بوصفه جزءاً من منظومة الاستقرار الوطني، لا بنداً محاسبياً منعزلاً. فالمحفظة السليمة توازن بين التمويل الداخلي والخارجي، وبين الكلفة والسيولة، وبين تثبيت سعر الفائدة ومرونته، وبين الاحتياجات العاجلة والاستدامة طويلة الأجل.

لكن إدارة المحفظة وحدها لا تكفي. فحتى أفضل عمليات إعادة التمويل لن تمنع تناقص المنفعة الحدّية إذا بقي الاقتصاد غير قادر على توليد نمو أعلى وإيرادات أوسع. لذلك، يجب أن يرتبط كل دينار جديد بسؤال واضح: ماذا سيُنتج؟ هل سيخفض فاتورة الطاقة؟ هل يرفع كفاءة المياه؟ هل يدعم الصناعة التصديرية؟ هل يحسن البنية اللوجستية أو يعزز المهارات وسوق العمل؟

التمويل الذي يذهب إلى مشروع يخفض كلفة الاستيراد أو يرفع الصادرات أو يولد إيرادات مستدامة لا يمثل عبئاً فقط؛ إنه يبني قدرة مستقبلية على السداد. أما التمويل الذي يمر عبر الموازنة من دون أثر إنتاجي قابل للقياس، فتتراجع منفعته الحدّية إلى أن تتحول كلفته إلى قيد على خيارات الدولة.

والسياسة الرشيدة لا تُقاس بأنها سددت استحقاقاً في موعده فحسب، بل بأنها جعلت الاستحقاق التالي أقل خطراً، وكلفة التمويل التالية أكثر احتمالاً، والاقتصاد أكثر قدرة على خلق قيمة من كل دينار يُقترض.

ذلك هو الاستحقاق الحقيقي للأردن: أن تستمر إعادة هندسة الدين العام ضمن مسار أوسع يخفض العجز تدريجياً، ويعظم التمويل الميسر، ويوجه الاقتراض نحو القطاعات المنتجة، ويحمي حق الأجيال المقبلة في مالية عامة أكثر مرونة.

فالدين لا يصبح خطراً لأنه موجود، بل عندما تتراجع المنفعة التي يضيفها إلى الاقتصاد. أما حين يُدار كمحفظة سيادية ذكية، فإنه يتحول من التزام على المستقبل إلى أداة لحماية هذا المستقبل.

المراجع

1. وزارة المالية الأردنية، التقارير الربعية للدين العام واستراتيجية إدارة الدين متوسطة الأجل، 2026.
2. البنك المركزي الأردني، النشرة الإحصائية الشهرية، تموز 2026.
3. صندوق النقد الدولي، المراجعة الخامسة لبرنامج الأردن ضمن تسهيل الصندوق الممدد، حزيران 2026.
4. بيانات المالية العامة لعام 2025، وتحليل مسار فوائد الدين العام المنشور في صحيفة المقر، 29 آب 2026

التعليقات مغلقة.