كلمة ملك… مرافعة دولة…
تابعت بكل فخر واعتزاز كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وشعرت أنني لا أستمع إلى خطاب سياسي تقليدي، بل إلى مرافعة دولة… ورسالة قائد… وصوت وطن يعرف تماماً أين يقف، وماذا يريد، وما هي الخطوط التي لا يقبل تجاوزها.
كان خطاباً قوياً في مضمونه، ذكياً في بنائه، دقيقاً في مفرداته، وواثقاً في إلقائه. وكان حضور جلالة الملك ولغة جسده ونبرة صوته ووقفاته بين الكلمات جزءاً من الرسالة نفسها: هدوء الواثق، ووضوح صاحب الموقف، وحزم القائد عندما يتعلق الأمر بحقوق شعب، ومصالح وطن، وأمن دولة.
وأكثر ما لفتني في الخطاب ذلك البناء الفكري المحكم الذي انطلق من حقيقة عالمنا اليوم: عالم تتزاحم فيه الحروب والأزمات والمآسي على انتباه الإنسان، حتى أصبح الانتباه نفسه مورداً نادراً. ومن هذه الفكرة البسيطة والعميقة في آن واحد، وضع جلالته المجتمع الدولي أمام مسؤوليته: فالمشكلة ليست فقط فيما يراه العالم… بل أيضاً فيما يختار أن يتجاهله.
وفي القضية الفلسطينية، لم يلجأ جلالته إلى اللغة الدبلوماسية الرمادية، بل سمّى الأشياء بأسمائها.
فالعالم، كما أكد جلالته، لم يحل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وإنما اكتفى لعقود بإدارته واحتوائه، حتى أصبح المؤقت دائماً، وتحول الدائم إلى سياسة وأمر واقع.
وغزة والضفة الغربية ليستا قصتين منفصلتين، بل وجهان لواقع واحد: تدمير في غزة، وضم فعلي متدرج للأرض في الضفة، بما يجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة.
أما تهجير الفلسطينيين من أرضهم، فقد جاءت الرسالة فيه واضحة لا تحتمل التأويل: التهجير القسري جريمة حرب.
ولم يكن الخطاب دفاعاً عن فلسطين وحق شعبها فحسب؛ بل كان أيضاً إعلاناً واضحاً عن ثوابت الدولة الأردنية ومصالحها العليا. أمن الأردن وحدوده ومياهه ليست ساحات للمساومة، وانحياز الأردن للسلام والدبلوماسية نابع من قوة الموقف والمبدأ، ولا يجوز لأحد أن يخطئ في قراءته أو يفسره ضعفاً.
وأعتقد أن من أقوى رسائل الخطاب أيضاً أنه تجاوز اللحظة السياسية الراهنة ليطرح سؤالاً أخلاقياً وقانونياً أكبر: ما قيمة القانون الدولي إذا كان يمكن تجاهله لعقود؟ وما قيمة المؤسسات الدولية إن لم تكن القواعد واحدة، والحقوق واحدة، وكرامة الإنسان واحدة؟
جلالة الملك لم يتحدث بالأمس باسم الأردن فقط؛ بل حمل إلى منبر الأمم المتحدة صوت العقل في زمن الصخب، وصوت القانون في زمن ازدواجية المعايير، وصوت الإنسان في زمن باتت فيه صور الموت والدمار خبراً عابراً على شاشات العالم.
ولعل قوة الخطاب الحقيقية كانت في هذا المزيج النادر بين الصلابة والاتزان، بين الوطنية والإنسانية، وبين الدفاع الصريح عن مصالح الأردن والدفاع المبدئي عن العدالة والسلام وحق الشعب الفلسطيني في أرضه ودولته ومستقبله.
كأردني، شعرت بالفخر وأنا أرى مليكي يقف أمام العالم بهذه الثقة، وبهذه اللغة، وبهذا الوضوح؛ لا يزايد، ولا يجامل، ولا يرفع صوته ليكون قوياً… فالموقف القوي لا يحتاج إلى صراخ.
حفظ الله الأردن… قيادة وشعبا وارضا… عزيزا وقويا ومنيعا… وحماه من كل مكروه…



التعليقات مغلقة.