حين يتحول “التطوير المؤسسي” إلى مجرد مجاملة: كيف تُهدر مؤسساتنا ملايين الدنانير على هياكل تنظيمية ميتة؟
بقلم:رانيا ابو غوش
مستشار التطوير الإداري والمؤسسي والقيادي
في الوقت الذي تتجه فيه الإدارات الحديثة حول العالم نحو بناء مؤسسات رشيقة تستند إلى تقييم مخاطر المستقبل والاستدامة المؤسسية، يُفاجأ المراقب للقطاعين العام والخاص في الأردن بحجم الاستنزاف المالي والإداري الناجم عن مفهوم قاصر لـ “التطوير المؤسسي”.
لقد أصبحت استشارات “إعادة الهيكلة” و”التخطيط الاستراتيجي” في كثير من أروقتنا الإدارية بمثابة طقس ديكوري يُستدعى فقط لاستكمال متطلبات مظهرية، أو لتبرير موازنات سنوية تُنفق في غير موضعها. وفي جولة تشخيصية شملت العديد من الكيانات والمؤسسات، نجد سيناريو مكرراً: أدبيات وخطط استراتيجية رفيعة المستوى تُكتب بأسلوب منمق وتُحفظ في الأدراج، بينما تدار العمليات اليومية بنفس آليات البيروقراطية التقليدية التي تعود لثلاثين عاماً خلت!
إن الأزمة الحقيقية التي لم تُسلط عليها الأضواء بعد، لا تكمن في غياب الكفاءات أو نقص الموارد، بل في فجوة الحوكمة القيادية والتطبيق العملي. فكم من مؤسسة أنفقت آلاف الدنانير على صياغة “هياكل تنظيمية جديدة” دون أن تمتلك أدوات قياس أثر حقيقية لربط الأداء الوظيفي برأس المال البشري؟ وكم من استراتيجية للتطوير الإداري تُقرّ سنوياً دون أن تأخذ في الحسبان إدارة المخاطر المؤسسية أو مرونة العقود لمواجهة التغيرات الاقتصادية المتسارعة؟
النتيجة اليوم صريحة ومؤلمة: تضخم إداري، وهدر للموارد، وتراجع في جاهزية الكوادر القيادية للتعامل مع أزمات عدم اليقين الاقتصادي. إن بقاء الوضع على ما هو عليه لم يعد خياراً مقبولاً؛ فالتطوير الإداري والمؤسسي ليس “ترفاً تنظيماً” ولا ورشة عمل التقاط صور، بل هو خط الدفاع الأول والأهم لضمان استدامة المؤسسات وحماية أموالها.
إننا اليوم أمام نقطة تحول حاسمة: إما الانتقال الفعلي من “التطوير الشكلي” إلى “ذكاء المخاطر والحوكمة المؤسسية الرشيدة” التي تربط المخرجات بالأثر المالي والاقتصادي الملموس، وإما الاستمرار في دوامة الهدر الإداري التي يدفع ثمنها الاقتصاد الوطني بأكمله.



التعليقات مغلقة.