صحيفة الكترونية اردنية شاملة

زرّ في «سند» لا يكفي لإنقاذ حياة

 

بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

لم يكن القرار الحكومي بإضافة خدمة تسجيل الرغبة بالتبرع بالأعضاء إلى تطبيق «سند» تفصيلاً رقمياً عابراً. فخلف زرّ صغير في تطبيق حكومي تقف أسئلة كبيرة عن الحق في الحياة، وحرمة الجسد، ودور الأسرة، وقدرة الدولة على تحويل رغبة إنسان إلى مسار طبي وقانوني مأمون ينقذ إنساناً آخر.

وزارة الصحة أعلنت بالتوازي العمل على بروتوكول وطني للتبرع وزراعة الأعضاء، يضم الجهات الصحية والقانونية والشرعية، ويحدد مسؤوليات المؤسسات وآليات متابعة المسجلين وأولويات المرضى المحتاجين إلى زراعة. وهذه هي النقلة الحقيقية التي يستحقها القرار: الانتقال من «تسجيل الرغبة» إلى نظام وطني متكامل، لا يترك قراراً بالغ الحساسية لاجتهاد اللحظة أو لارتباك غرفة العناية الحثيثة.

لكن نجاح «سند» لن يُقاس بعدد من ضغطوا زر التسجيل. سيُقاس عندما يصبح لكل رغبة مسجلة أثر معلوم: من يراها؟ كيف تُحدَّث أو تُسحب؟ ما الذي يحدث إن تغير موقف صاحبها؟ وماذا يفعل الفريق الطبي عندما يكون الإنسان قد سجّل رغبته ثم وصل إلى حالة وفاة دماغية مثبتة؟ هنا لا تكون المسألة تقنية، بل حوكمة قرار إنساني.

أول ما يجب أن يحسمه البروتوكول هو التمييز بين التبرع الحي والتبرع بعد الوفاة. فحين يرغب مريض أو شخص بالغ واعٍ أن يتبرع وهو حي، فإن الأصل الأخلاقي والطبي أن تبدأ الموافقة منه، لا من ورثته ولا من أسرته، شريطة أن يكون كامل الأهلية وأن يثبت فحص طبي مستقل أن التبرع لن يعرّضه لضرر جسيم أو يعطل حياته الطبيعية. الأسرة في هذه الحالة ليست صاحبة «فيتو» على جسده، لكنها شريك دعم وحماية من أي ضغط خفي، خصوصاً حين يأتي القرار داخل علاقة أسرية أو في ظل ضائقة مالية.

أما بعد الوفاة، فالصورة أدق. التسجيل عبر «سند» يجب ألا يتحول إلى خانة رمزية لا يعرف أحد وزنها القانوني، ولا إلى إذنٍ مبهم يتجاوز الأسرة بغير تواصل أو ضمانات. المطلوب نص واضح يحدد مكانة الإرادة الرقمية الموثقة، وترتيبها عند وجود وصية سابقة أو عند غيابها، ودور الأسرة في التحقق والحوار والوداع. الأسرة لا تملك الجسد باعتباره تركة، لكنها تحمل حقاً أصيلاً في أن تُعامل بكرامة وأن تُسمع في لحظة الفقد، خصوصاً إن لم توجد إرادة صريحة أو كانت هناك دلائل على تراجع المتوفى عنها.

وهنا تظهر قيمة القرار الأخير: إنه يتيح للدولة أن تبني «سلسلة ثقة» كاملة. تبدأ بتسجيل مبسط ومفهوم في «سند»، يتبعه تأكيد دوري للقرار وإتاحة سهلة للرجوع عنه. ثم ينتقل إلى سجل آمن ومحدّث لا يُتاح إلا للجهات المخولة، مع سجل تدقيق يوضح من اطلع على المعلومة ومتى ولماذا. وعند حدوث حالة محتملة، يعمل مسار منفصل وواضح: إثبات الوفاة وفق معايير طبية مستقلة، تقييم صلاحية العضو، تواصل مهني مع الأسرة، ثم مطابقة عادلة مع قوائم الانتظار وفق الأولوية الطبية وفرصة النجاح، لا وفق القدرة المالية أو العلاقات.

هذه التفاصيل ليست بيروقراطية. إنها صمام الأمان ضد ثلاثة مخاطر كبرى: استغلال الفقراء، وضغط الأسر على متبرع حي، وفقدان المجتمع ثقته في المنظومة. فلا يكون التبرع حقيقياً إذا كان وراءه مقابل مالي أو خوف أو ابتزاز عاطفي. ولا عدالة إذا ظل الناس يشكون في أن العضو يذهب إلى الأكثر نفوذاً بدلاً من الأكثر حاجة. ولا ثقة إذا اختلط فريق تشخيص الوفاة بفريق الزراعة أو غابت الشفافية عن كل قرار.

والبُعد الاقتصادي هنا ليس هامشياً. فتأخر الزراعة يبقي المريض داخل حلقة علاج مزمن، وتنقلات متكررة، وانقطاع محتمل عن العمل، وكلفة تتحملها الأسرة والمنظومة الصحية معاً. أما السجل الوطني الموثوق، وسرعة التحقق والمطابقة، وعدالة توزيع الأعضاء، فتخفض «كلفة الانتظار» وتحوّل جزءاً من الإنفاق من إدارة المرض طويل الأمد إلى استثمار في سنوات حياة وإنتاجية. لذلك فإن كفاءة البروتوكول ليست مسألة طبية فحسب؛ إنها كفاءة في إدارة الموارد الصحية وحماية رأس المال البشري.

كما أن الرقمنة تحمل مسؤولية إضافية. فبيانات التبرع ليست بيانات خدمة عادية؛ إنها بيان شديد الخصوصية عن موقف الإنسان من جسده بعد موته. لذلك يجب أن يكون «سند» بوابة موافقة واعية، لا مجرد نموذج سريع: شرح مبسط للضوابط، خيار واضح للتراجع، تحديث للحالة، وحماية مشددة للبيانات. فكل ثغرة في الخصوصية أو في وضوح الموافقة قد تهز ثقة الناس في البرنامج كله، لا في التطبيق وحده.

وقد أكدت دائرة الإفتاء العام إباحة الوصية بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة لإنقاذ حياة المرضى ضمن ضوابط تشمل التحقق القطعي من الوفاة، وسلامة الإجراء طبياً، وعدم الاتجار، مع اشتراط وصية سابقة من المتبرع أو موافقة الورثة بحسب نوع العضو وظروف الحالة. وهذه ليست عقبة أمام البرنامج الوطني، بل أساس أخلاقي له: حفظ الحياة لا يكون على حساب الكرامة، والرحمة لا تقوم على الإكراه أو الغموض.

قرار وزارة الصحة يضع الأردن أمام فرصة حقيقية لرفع كفاءة زراعة الأعضاء، لكنه يضعه أيضاً أمام اختبار التنفيذ. المطلوب ليس حملة تقول للمواطن «سجّل»، بل منظومة تقول له: «قرارك محفوظ، وسلامتك مصانة، وأسرتك محترمة، وكل حياة ستصل إليها هذه الهبة ستصل عبر معايير عادلة». عندها فقط يصبح زر «سند» أكثر من خدمة رقمية؛ يصبح جسراً منظماً بين إرادة إنسان وفرصة حياة إنسان آخر.

التعليقات مغلقة.