بعد اعتقال الإرهابيين.. مهمات صعبة بانتظارنا
طُويت صفحة الإرهابيين السفلة. كان السؤال على كل ألسنة الأردنيين وعائلات الشهداء والمصابين؛ متى سيتم القبض على القتلة؟ لم يكن أحد ليشك أبدا في قُدرة الأجهزة الأمنية على الوفاء بالوعد بالقبض على الإرهابيين وجلبهم للعدالة، وقد أُنجزت المهمةُ بسرعة وكفاءة عاليتين. وفي ذلك تأكيد جديد على أن الدولة هي فقط التي تحمي شعبها بقدرة مؤسساتها، وبقوة القانون الذي يحمي الجميع.
وفي انتظارنا من بعد، صفحات كثيرة ينبغي أن تفتح، فيها من التحديات والمهمات الصعبة ما يستوجب عملا خلاقا وذكيا غير مسبوق. فواقعة كنيسة حمود غير المسبوقة، فيها من الدروس ما ينبغي تعلّمه للمستقبل.
ثمة إرادة قوية تبديها الدولة على أعلى مستويات القرار، لإجراء مراجعة شاملة حدد جلالة الملك بوضوح عناوينها وخطوطها العريضة في توجيهاته خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن القومي في اليوم التالي للهجوم الإرهابي.
من بين أكثر المهمات إلحاحا، مراجعة الإجراءات في المؤسسات والدوائر المعنية بالاستجابة السريعة عند وقوع مثل هذه الحوادث. وأعني هنا مديرية الدفاع المدني والأجهزة الشرطية المسؤولة عن الاستجابة الأولية. وبنفس القدر من الأهمية استجابة الكوادر الطبية وإداراتها لضمان تقديم الخدمة للمصابين بسرعة واحترافية، وتوفر أطباء الاختصاص للتعامل مع حالات الإصابة الحرجة والمعقدة.
من الواضح أننا لم نختبر بشكل كاف قدراتنا على الاستجابة لمثل هذا النوع من الحوادث الأمنية، التي تتداخل فيها الصلاحيات في الميدان، من خلال غرفة عمليات مشتركة معروفة مسبقا وتتحرك وفق بروتوكول مقر مسبقا في كل محافظة، خاصة في الأوقات القاتلة كأيام العطل.
مثل هذا المستوى من التنظيم المحدد مسبقا يترك أثرا حاسما على حياة المصابين، وسرعة إنقاذهم، وقد ظهر ذلك جليا في الهجوم الإرهابي الأخير. ولا بد من تحديد أوجه القصور في الإجراءات في الحالات التي تتطلب الرد السريع، فللوقت الكلمة الفاصلة بين الحياة والموت بالنسبة للمصابين.
على المدى القصير والعاجل، تتولى المؤسسات الأمنية المختصة مسؤولياتها في إدارة التحقيقات المرتبطة بالهجوم الإرهابي، وملاحقة المتورطين فيه، وكل من ساعدهم أو سهل مهمتهم، وضبط الخلايا الرديفة، والعناصر المتعاطفة معهم. وتوسيع دائرة الملاحقات لتشمل أعدادا من المنخرطين في دعم أفكار الإرهابيين على امتداد الوطن.
لكن المهمة الأكثر تعقيدا وصعوبة، هي تطوير إستراتيجية وطنية جديدة لمحاربة الفكر المتطرف. أخشى أننا نفكر بنفس الأدوات القديمة، وندور في نفس الحلقات التقليدية القائمة على معالجات شكلية روتينية لا تبلغ جوهر المشكلات بواقعية وموضوعية. لقد اعتمدنا من قبل خططا وإستراتيجيات لمكافحة التطرف، فشلت في معظمها، ولم نجر أي مراجعة أو تقييم حقيقي لنتائجها، لأننا في الأساس نفتقر لأدوات قياس دقيقة تحدد ما تحقق، وما لم يتحقق من أهداف.
ونتيجة لهذا التقصير الفادح، بلغنا مرحلة متقدمة من الخطورة، التي تجعل من مهمتنا في مواجهة الفكر المتطرف صعبة للغاية. لأننا بالفعل في حالة حرجة. مذبحة الكنيسة في بلدة حمود، على كل ما فيها من ألم ووجع وفقداننا لأحبة، وما تركته من جراح عميقة في القلوب، إلا أنها نقطة تحول هائلة كانت بمثابة صدمة قاسية للوعي المؤسسي والشعبي على المستوى الوطني، أظنها تصلح كمدخل لتقديم مقاربات جديدة لطبيعة الإستراتيجية الوطنية المطلوبة، مع الإقرار مسبقا بأنه وفي حالتنا الأردنية هذه لا ينبغي توقع نتائج سريعة باستثناء ما يمكن تحقيقه فعلا على مسار المعالجة الأمنية. أما على باقي الجبهات فالمواجهة تتطلب نفسًا طويلًا، وسياسات ذكية تخفض بشكل متدرج من معدلات التطرف التي تجاوزت الحدود الطبيعية. وحدة الأردنيين وتكاتفهم بعد المذبحة، تمنحنا الأمل بقدرة بلدنا على تغيير المسار بشكل جذري.



التعليقات مغلقة.