من حق الأردن الدفاع عن أمنه
منذ العام 2011، يدفع الأردن أثمانا باهظة للفوضى التي ضربت سورية، وامتدت تداعياتها إلى حدوده الشمالية. أعباء اقتصادية واجتماعية فرضتها أزمة اللجوء، بينما وجد الأردن نفسه أمام تحديات أمنية غير مسبوقة، مع تنامي نشاط شبكات تهريب المخدرات والأسلحة، وظهور جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية استغلت غياب سلطة الدولة السورية عن مناطق واسعة من أراضيها.
التهديدات جاءت بشكل محاولات اختراق واشتباكات مسلحة، وسقط شهداء من قواتنا المسلحة وهم يدافعون عن أمن المملكة. لكن نشاط التهريب تطور من محاولات فردية إلى عمليات منظمة، تقف خلفها شبكات تمتلك السلاح والمال، وتستفيد من الفوضى وغياب الرقابة على الجانب الآخر من الحدود.
حين سقط نظام بشار الأسد، استبشر الأردن خيرا بإمكانية طيّ هذه الصفحة، وقيام سلطة سورية قادرة على استعادة السيطرة على أراضيها. لكن ذلك لم يحدث، فما تزال مناطق في الجنوب السوري تعاني هشاشة أمنية تسمح باستمرار نشاط شبكات التهريب والجماعات المسلحة. ورغم المرحلة الانتقالية وتعقيداتها، فإن ذلك لا يعفي السلطات السورية الجديدة من مسؤوليتها عن منع استخدام أراضيها للإضرار بالدول المجاورة.
الأردن لا يستطيع انتظار اكتمال بناء الدولة السورية، أو انتهاء ترتيباتها الأمنية، بينما تستمر الأخطار على حدوده. إن ضرب الأردن مصادر التهديد داخل الأراضي السورية، لا يراد به التدخل بالشأن السوري، أو الانتقاص من سيادة الدولة المجاورة، وإنما إجراء دفاعي تفرضه ظروف أمنية محددة.
القانون الدولي الذي يحمي سيادة الدول ويحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضيها، يقرّ أيضا بحق الدفاع عن النفس في مواجهة المخاطر، خصوصا حين يكون التهديد جديا ومباشرا، وتتعذر مواجهته بوسائل أخرى، فيصبح بحث الخيارات الدفاعية المشروعة أمرا لا تستطيع أيّ دولة مسؤولة تجاهله.
في الحالة الأردنية، تتجاوز المخاطر مجرد عمليات تهريب تقليدية، فالمخدرات التي تحاول الشبكات المنظمة إدخالها إلى المملكة تستهدف أمن المجتمع وصحة أفراده، وتوفير عوائد مالية ضخمة تغذي الجريمة المنظمة والإرهاب. أما الأسلحة، فإن وصولها إلى جهات خارجة عن القانون يفتح الباب أمام أخطار أمنية يصعب احتواؤها لاحقا، بما يمكن التنظيمات الإرهابية التي تستفيد من المناطق الرخوة وتدفق المال والسلاح من إعادة تنظيم صفوفها وتوسيع نشاطها.
لهذا، لا يجوز التعامل مع هذه التهديدات بوصفها شأنا سوريًا داخليا لا يعني الأردن، فما يجري على الجانب الآخر من الحدود يصبح شأنا أردنيا مباشرا عندما تتحول نتائجه إلى خطر على حياة الأردنيين وأمنهم واستقرار بلدهم.
شبكات التهريب والجماعات الإرهابية تحتاج إلى مواجهة صارمة، تتم من خلال تعاون أمني واستخباري جاد بين عمان ودمشق، وإلى إجراءات سورية حاسمة تعيد للدولة قدرتها على السيطرة على الجنوب.
مصلحة الأردن تكمن في أن تكون سورية دولة مستقرة تستعيد عافيتها، وقادرة على حماية حدودها. وهذه المصلحة تتطلب من السلطات السورية إدراك أن حسن الجوار لا يتحقق بالتصريحات والوعود، وإنما بإجراءات ملموسة تنهي مصادر التهديد، وتعيد الثقة بين البلدين.
لقد تحمل الأردن طوال السنوات الماضية ما يفوق طاقته من تداعيات الأزمة السورية، وأظهر قدرا كبيرا من الصبر وضبط النفس، لكنه ليس مطالبا بأن يبقى متلقيا دائما لأخطار لا يملك السيطرة على مصادرها، ومن واجبه أن يستخدم ما يتيحه القانون الدولي من وسائل لحماية مواطنيه، بما فيها القوة العسكرية عندما تستدعيها الضرورة.
لا مصلحة للأردن في إضعاف سورية، ولكنه لا يستطيع أن يقبل ببقاء حدوده مكشوفة أمام عصابات المخدرات والسلاح والتنظيمات الإرهابية، أو أن يرهن أمنه بقدرة الآخرين على القيام بواجباتهم.



التعليقات مغلقة.