صحيفة الكترونية اردنية شاملة

خطاب العرش.. التنمية بميزان المواطن

يضع خطاب العرش السامي معياراً واضحاً لتقييم الأداء الاقتصادي، يتمثل في قدرة التنمية على تحسين حياة المواطن، وتوسيع فرصه في العمل والتعليم والعلاج، فالتوجيه الملكي بأن تكون مصلحة الأردني في صلب كل قرار يحمل رسالة مباشرة إلى الجهات التي تصوغ السياسات وتنفذها، بأن قيمة القرار تقاس بنتائجه، وبما يضيفه إلى معيشة الناس وقدرة الاقتصاد على الإنتاج وتوليد الفرص.
وتعني هذه المقاربة أن المؤشرات الاقتصادية ينبغي أن تقرأ من خلال أثرها على الأسر والمنشآت، فارتفاع النمو تزداد أهميته عندما يصاحبه توسع في التشغيل وتحسن في الإنتاجية والدخل، وزيادة الاستثمار تتعاظم قيمتها عندما تنشئ أعمالاً جديدة وتحرك القطاعات المرتبطة بها، ولذلك فإن تقييم النجاح الاقتصادي يتطلب متابعة انتقال نتائج النمو إلى المواطنين، ومدى اتساع الاستفادة منه بين المحافظات والفئات المختلفة.
ومن هنا تبرز أهمية التوجيه الملكي بتسريع إنجاز المشاريع الكبرى، فالوقت عنصر مؤثر في جدواها الاقتصادية، وتأخر التنفيذ يؤجل فرص العمل والإنتاج والخدمات المنتظرة، وقد يرفع الكلفة، والمطلوب تحويل هذا التوجيه إلى جداول تنفيذ واضحة، ومسؤوليات محددة، ومعالجة للعقبات، مع متابعة التمويل وتكاليف التشغيل والعوائد المتوقعة، حتى يقترن تسريع الإنجاز بكفاءة استخدام الموارد واستدامة النتائج.
وتتسع القيمة الاقتصادية لهذه المشاريع عندما ترتبط بالاقتصاد المحلي، من خلال إتاحة الفرص للموردين والمقاولين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتأهيل الأردنيين للوظائف التي تحتاجها، فالمشروع الكبير يستطيع تحريك أنشطة متعددة حوله، شريطة التخطيط لهذه الروابط مبكراً، وتحديد المهارات المطلوبة، وتمكين الشركات المحلية من المنافسة، بما يوسع أثر الاستثمار ويمنح المحافظات حصة ملموسة من فرصه.
وفي مقدمة هذه الأولويات يأتي الأمن المائي، الذي منحه الخطاب أهمية استثنائية، فالمياه مدخل أساسي للنشاط الزراعي والصناعي والسياحي، وانتظام توفرها يؤثر في قرارات الاستثمار وكلف الإنتاج وقدرة المنشآت على التوسع، ولذلك فإن الإنفاق على المشاريع المائية يحمل عائداً اقتصادياً واجتماعياً، ويتطلب بالتوازي رفع كفاءة إدارة الموارد، وتقليل الفاقد، وضمان استدامة التشغيل، وجودة الخدمة، وعدالة، وصولها.
ويرتبط تحقيق هذه الأهداف بما أكده الخطاب بشأن سيادة القانون ومسؤولية الوظيفة العامة، فالمستثمر يحتاج إلى إجراءات واضحة ومعاملة عادلة وقدرة على توقع متطلبات العمل، وكلما تراجعت الاستثناءات واتسعت المساواة في تطبيق القواعد، تعززت الثقة بالمنافسة، وأصبحت جدوى المشروع وكفاءة إدارته أساساً لنجاحه، وهذا يضع جودة الإدارة العامة ضمن العوامل المؤثرة مباشرة في الاستثمار والنمو.
كما أن خدمة المواطن تحمل بعداً اقتصادياً يتجاوز إنجاز المعاملة، فالتأخير في الترخيص أو الموافقة قد يعطل رأس المال ويؤجل التوظيف، وتعدد المتطلبات يستهلك وقت المنشآت ومواردها، ومن ثم فإن قياس أداء المؤسسات ينبغي أن يشمل سرعة الإجراءات ووضوحها وكلفتها، ومدى قدرتها على حل المشكلات ضمن القانون، بما يحسن بيئة الأعمال ويحفظ حقوق المتعاملين.
ويمتد هذا المعيار إلى إدارة الإنفاق العام ومناقشة الموازنات، حيث تبرز ضرورة ربط المخصصات بنتائج قابلة للمتابعة، وتحديد ما ستضيفه إلى الخدمات والبنية التحتية وفرص التشغيل، فالموارد المحدودة تستدعي ترتيب الأولويات بعناية، وتقييم أثر الإنفاق، ومراجعة البرامج التي يتأخر مردودها، مع حماية كفاءة الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المواطن وتستند إليها قدرة الاقتصاد على النمو.
إن الاستجابة الاقتصادية لخطاب العرش تبدأ من التنفيذ المنظم والمتابعة المستمرة، فالمواطن ينتظر فرصة عمل وخدمة أفضل وتحسناً في قدرته على مواجهة أعباء المعيشة، والمنشأة تنتظر بيئة تساعدها على الإنتاج والتوسع، وعندما تصبح هذه النتائج معياراً للمساءلة وتقييم السياسات، تتعزز الثقة بمسار التحديث الاقتصادي، وتكتسب التنمية معناها العملي في حياة الأردنيين.

التعليقات مغلقة.