صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الاستثمار الأجنبي في الأردن.. بين دبلوماسية الملك وترجمة الفرص أمام القمة الأوروبية

مع اقتراب القمة الأردنية الأوروبية المقررة في الثامن عشر من هذا الشهر، تزداد أهمية طرح معادلة الأردن الاقتصادية التي تقوم على حاجة ملحّة إلى استثمارات نوعية تخلق فرص عمل وتحرك عجلة الإنتاج، وجهد ملكي متواصل لجذب الفرص نحو الاقتصاد الأردني، ومسؤولية وطنية في تهيئة البيئة التي تجعل المستثمر يقبل على الأردن ويستقر فيه ويوسع أعماله.

لقد أسهمت تحركات جلالة الملك عبدالله الثاني وعلاقاته الدولية في تعزيز حضور الأردن على الساحة العالمية، وفي إبقاء فرصه الاقتصادية حاضرة في محادثات جلالته مع قادة الدول ومؤسسات الاستثمار والأعمال. لكن الوفاء لهذه الجهود يقتضي أن تقابلها حركة داخلية بالمستوى نفسه من الجدية والطموح. فحين يفتح جلالة الملك بابا أمام المستثمرين، ينبغي أن يجدوا خلف ذلك الباب مؤسسات سريعة الاستجابة، وتشريعات مستقرة، وفرصا مدروسة، وشريكا أردنيا قادرا على الإنجاز.

إن التحدي الذي يواجه الأردن لا يتمثل في استقطاب اهتمام المستثمرين وحده، بل في تحويل هذا الاهتمام إلى استثمارات حقيقية قادرة على الصمود والتوسع. حيث إن الفارق كبير بين الإعلان عن مشروع استثماري وتوقيع مذكرة تفاهم بشأنه، وبين أن تبدأ معداته بالعمل، وتفتح أبوابه أمام العاملين، وتخرج منتجاته إلى الأسواق.

إن أي حديث عن جذب الاستثمارات ينبغي أن يقترن بالإجابة عن أسئلة لا يجوز إغفالها: ما حجم الاستثمارات التي دخلت فعليا إلى الاقتصاد الأردني؟ وما مقدار ما أعيد استثماره من أرباح الشركات القائمة؟ وكم مشروع انتقل من التوقيع إلى التنفيذ؟ وما عدد فرص العمل المستدامة التي أوجدتها هذه المشروعات؟ وكم أضافت إلى الصادرات والإنتاج المحلي؟ وما المحافظات والقطاعات التي استفادت منها؟

هذه ليست أسئلة تشكيك، بل أسئلة تقييم ومساءلة مشروعة، تتيح لصانع القرار معرفة ما نجح وما تعثر، وتساعد على توجيه الموارد العامة نحو السياسات الأكثر فاعلية. فالأرقام، حين توضع في سياقها الصحيح، لا تنتقص من الجهد الوطني، وإنما تحميه من المبالغة وتمنحه فرصة التصحيح والتطوير. فمهما بلغت أهمية المؤشرات المالية، فإن الحكم النهائي على نجاح السياسة الاستثمارية يجب ألا ينفصل عن حياة الأردنيين. وما ينتظره المواطن هو اقتصاد يتيح له العمل الكريم، ودخلا أكثر قدرة على مواجهة متطلبات الحياة، وفرصا حقيقية لبناء مستقبله داخل وطنه.

وهنا تكمن القيمة الاجتماعية للاستثمار الأجنبي: أن يصبح وسيلة لتوسيع الطبقة المنتجة، لا مجرد أرقام في التقارير الاقتصادية؛ وأن يفتح أبواب العمل أمام الشباب والنساء، وأن يمنح أصحاب المهارات فرصا للاستفادة من تعليمهم، وأن يساعد على الحد من الفوارق التنموية بين العاصمة والمحافظات.

ولا بد من التذكير بأن توفير فرص العمل لا يتحقق بمجرد زيادة عدد المشروعات، بل بنوعية هذه المشروعات، وقدرتها على الاستمرار، ومستوى الأجور التي تقدمها، ومدى احترامها لحقوق العاملين، واستعدادها للاستثمار في مهاراتهم، وتوزيعها التنموي والجغرافي على مستوى المحافظات، فليس من الحكمة أن نقيس نجاح الاستثمار بحجم رأس المال وحده، ونتجاهل أثره في نوعية الحياة والعدالة الاقتصادية.

وعودة الى القمة الأوروبية يأتي السؤال الجاد، ما الذي ينبغي أن تخرج به القمة الأردنية الأوروبية؟

إذا كانت القمة المرتقبة فرصة لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بين الأردن والاتحاد الأوروبي، فإن المصلحة الوطنية تقتضي ألا تقتصر نتائجها على إعلان النيات الطيبة، بل أن تتجسد في مسار عملي واضح، له أولويات ومشروعات ومواعيد متابعة ومؤشرات أداء.

ويمكن أن يشمل هذا المسار حزمة من الأولويات المتكاملة:

أولا، إعداد قائمة محددة بالمشروعات الأردنية الجاهزة للاستثمار، مدعومة بدراسات جدوى موثوقة، ومعلومات دقيقة عن الكلف والعوائد والاحتياجات التمويلية، بدلا من الاكتفاء بعرض فرص عامة يصعب على المستثمر تحويلها إلى قرار.

ثانيا، استهداف الشركات الأوروبية القادرة على إحداث قيمة مضافة في القطاعات التي يحتاج إليها الاقتصاد الأردني، ولا سيما الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والمياه والخدمات الرقمية، مع بناء شراكات بين الشركات الأجنبية ونظيراتها الأردنية، وتعزيز نقل الخبرة وتطوير الموردين المحليين.

ثالثا، توسيع فرص وصول المنتجات الأردنية إلى الأسواق الأوروبية، في إطار الاتفاقيات والقواعد التجارية النافذة، ومعالجة العقبات الفنية واللوجستية التي تحد من قدرة المنتج الأردني على المنافسة. فليس كافيا أن نستقطب استثمارات إلى الأردن إذا لم نعمل بالتوازي على توسيع الأسواق التي يمكن لهذه الاستثمارات أن تخدمها.

رابعا، تطوير برامج مشتركة للتدريب المهني والتقني، بحيث لا ينفصل الاستثمار عن إعداد القوى العاملة القادرة على تشغيل المشروعات وإدارتها وتطويرها. فالمستثمر يحتاج إلى رأس المال، لكن رأس المال البشري المؤهل هو الذي يمنح الاستثمار قدرته على الاستمرار والتوسع.

خامسا، الاتفاق على آلية متابعة مؤسسية لما ينتج عن القمة من تفاهمات ومشروعات، تتولى إزالة العقبات وتقييم التقدم بصورة دورية، وتقدم صورة واضحة عن النتائج المحققة وما يحتاج إلى معالجة.

سادسا، تعزيز دور القطاع الخاص الأردني في صياغة الأولويات الاستثمارية، لأن رجال الأعمال والمصنعين والمصدرين يعرفون كثيرا من التفاصيل العملية التي لا تظهر دائما في الاجتماعات الرسمية. وإشراكهم مبكرا يساعد على توجيه الشراكات نحو احتياجات السوق الفعلية، ويزيد فرص نجاح المشروعات بعد إطلاقها.

قلنا في بداية المقال عن أهمية ترجمة الفرص التي تأتي بالدبلوماسية الملكية من نوايا استثمارية الى استثمارات حقيقية من خلال جهود تنفيذية وتشريعية ومتابعات حكومية، وهذه ليست مفاضلة بين الدور الملكي والدور الحكومي، بل تكامل بين قيادة تفتح الآفاق، ومؤسسات تهيئ الأرضية، وقطاع خاص يستثمر ويبتكر، وقوى عاملة تمتلك المهارات اللازمة، وبيئة تشريعية تضمن الحقوق وتحقق التوازن بين مصالح المستثمرين والمصلحة الوطنية.

فكما يحتاج الأردن إلى الاستثمار الأجنبي كي تصبح فرص العمل أوسع من طوابير الانتظار ولكي يخفف الاعتماد على الحلول المالية قصيرة الأجل، ويبني قاعدة اقتصادية أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة الأزمات. في المقابل، يحتاج المستثمر الأجنبي إلى أردن مستقر، وتشريعات استثمارية مستقرة، وكفاءات بشرية، وبيئة أعمال تقدر رأس المال المنتج وتحميه، دون أن تتنازل عن حقوق الدولة والمجتمع.

فالنجاح الحقيقي ليس أن يعود المستثمر من زيارته وهو مقتنع بأن الأردن بلد جميل وآمن ومرحب، وإنما أن يعود إلى بلاده وقد اتخذ قرارا بالاستثمار فيه. وليس أن نعلن عن مشروع جديد، بل أن نرى أثره في مصنع يعمل، أو شركة تتوسع، أو منتج أردني يصل إلى سوق جديدة، أو شاب يجد فرصة تليق بكفاءته، أو محافظة تفتح أمام أبنائها بابا جديدا للعمل والإنتاج.

الأردن الذي يملك إرادة الاستقرار، وقيادة تتحرك لفتح أبواب العالم، يستحق أن تكون له بيئة اقتصادية توازي طموحه؛ بيئة لا تكتفي باستدعاء رأس المال، بل تعرف كيف تستقبله، وتوظفه، وتراقب أثره، وتضمن أن تكون ثماره جزءا من مستقبل الأردنيين.

– رئيس مجلس إدارة مصفاة البترول الاردنية

التعليقات مغلقة.