الأردنيون يحتفلون بعيد ميلاد الملك.. اليوم
يحتفل أبناء وبنات الوطن، اليوم السبت الموافق الثلاثين من كانون الثاني، بالعيد الرابع والخمسين لميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني، الحفيد الحادي والأربعين للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، والابن الأكبر لجلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، والأميرة منى الحسين.
والأردنيون والأردنيات، وهم يحتفلون بميلاد قائد ورائد وراعي مسيرتهم، يجددون تمسكهم بمبادئهم التاريخية النبيلة، التي قامت عليها الثورة العربية الكبرى، التي يتزامن هذا العام مرور مئة عام على انطلاقها، ثورة للحرية والاستقلال والنهضة.
ويفخر الأردنيون اليوم، بمنجزات مليكهم المعزز منذ أن تسلم سلطاته الدستورية مكملا لمسيرة الهاشميين في العطاء والبناء والإنجاز، حتى غدا الأردن دولة قوية بدورها، متقدمة بمؤسساتها، ومزدهرة بإنجازات أبنائها وبناتها، ممن راكموا على مسيرة الرعيل الأول وعطائهم، الذي لازال ماثلا في سفر الوطن.
ويستند الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، إلى لبنات راسخة في الإصلاح والعدالة والحرية والمساواة، وإلى انموذج متميز من الوحدة الوطنية والعيش المشترك والتفاهم وتكاتف الشعب خلف القيادة، يجدده الأردنيون في كل محطة من عمر دولتهم.
ويتطلع أبناء وبنات الأسرة الأردنية الواحدة، في هذه المناسبة العزيزة على قلوبهم، نحو آفاق جديدة ورحبة في مستقبل مشرق يقودهم إليه جلالة الملك، وسط تحديات لم تثن من عزم جلالته في حفظ أمن الأردن واستقراره وصموده، ليبقى واحة تلم أبنائها وبناتها رغم ما يعصف بمحيطهم من أزمات إقليمية.
وإذ تتزامن هذه المناسبة العزيزة مع مطلع عام جديد مشرق ومع احتفالات المملكة بمئوية الثورة العربية الكبرى، يرى الأردنيون بعيد ميلاد قائدهم ومليكهم، وقفة للاعتزاز بالمنجزات والبناء عليها، والتطلع لغد حافل يعزز من تقدم وطنهم ورفعته والارتقاء به.
ففي صبيحة يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شعبان سنة 1381 هجرية الموافق للثلاثين من كانون الثاني 1962 ميلادية، ولد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في عمان وهو الابن الأكبر للمغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه والأميرة منى الحسين.
وفي الحادي والثلاثين من عام 1962 صدرت الإرادة الملكية السامية بتسمية الأمير عبدالله وليا للعهد، وبعد ذلك مر جلالة الملك بمراحل عديدة دراسية وعملية.
ومنذ تولي جلالته العرش وهو يستهدي بنهج والده الملك الحسين، طيب الله ثراه، ففي خطابه الذي وجهه إلى شعبه الأردني في الرابع من شباط العام 1962، قال المغفور له جلالة الملك الحسين: “لقد كان من الباري جل وعلا، ومن فضله علي، وهو الرحمن الرحيم أن وهبني عبدالله ، قبل بضعة أيام، وإذ كانت عين الوالد في نفسي، قد قرت بهبة الله وأعطية السماء؛ فإن ما أستشعره من سعادة وما أحس به من هناء لا يرد، إلا أن عضوا جديدا قد ولد لأسرتي الأردنية، وابنا جديدا قد جاء لأمتي العربية”.
وقال الراحل الحسين، في خطابه، “مثلما أنني نذرت نفسي، منذ البداية، لعزة هذه الأسرة ومجد تلك الأمة كذلك فإني قد نذرت عبد الله لأسرته الكبيرة، ووهبت حياته لأمته المجيدة. ولسوف يكبر عبدالله ويترعرع، في صفوفكم وبين إخوته وأخواته، من أبنائكم وبناتكم، وحين يشتد به العود ويقوى له الساعد، سيذكر ذلك اللقاء الخالد الذي لقي به كل واحد منكم بشرى مولده، وسيذكر تلك البهجة العميقة، التي شاءت محبتكم ووفاؤكم إلا أن تفجر أنهارها، في كل قلب من قلوبكم، وعندها سيعرف عبدالله كيف يكون كأبيه، الخادم المخلص لهذه الأسرة، والجندي الأمين، في جيش العروبة والإسلام”.
وأمضى جلالة الملك عبدالله الثاني المرحلة الأولى من تعليمه في الكلية العلمية الإسلامية في عمان، وانتقل في المرحلة الإعدادية والثانوية، إلى مدرسة سانت أدموند في ساري بإنجلترا، ومن ثم ليلتحق بعدها بمدرسة إيجلبروك تبعها بعد ذلك باستكمال دراسته في أكاديمية دير فيلد في الولايات المتحدة الأميركية.
ونشأ جلالته عسكرياً محترفاً، حيث تدرج في المواقع العسكرية، في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، من رتبة ملازم أول، بدأها كقائد فصيل ومساعد قائد سرية في اللواء المدرع الأربعين، وفي عام 1985 التحق بدورة ضباط الدروع المتقدمة في فورت نوكس بولاية كنتاكي في الولايات المتحدة الأميركية، ليعود بعدها قائدا لسرية دبابات في اللواء المدرع 91 برتبة نقيب في العام 1986، كما خدم في جناح الطائرات العمودية المضادة للدبابات في سلاح الجو الملكي الأردني كطيار مقاتل على طائرات الكوبرا العمودية، وهو مظلي مؤهل في القفز الحر.
وكانت لجلالته عودة إلى الدراسة الأكاديمية العليا في العام 1987، حيث التحق بكلية الخدمة الخارجية في جامعة جورج تاون في واشنطن، وأتم برنامج بحث ودراسة متقدمة في الشؤون الدولية ضمن برنامج (الماجستير في شؤون الخدمة الخارجية) المنظم تحت إطار مشروع الزمالة للقياديين في منتصف مرحلة الحياة المهنية.
وعاد جلالته ليستأنف خدمته العسكرية بين إخوانه في الجيش العربي، إذ عمل كمساعد قائد سرية في كتيبة الدبابات الملكية 17 في الفترة بين كانون الثاني 1989 وتشرين الأول 1989، ومساعد قائد كتيبة في الكتيبة ذاتها من تشرين الأول 1989 وحتى كانون الثاني 1991، وبعدها تم ترفيع جلالته إلى رتبة رائد، وخدم كممثل لسلاح الدروع في مكتب المفتش العام في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية.
وقاد جلالة الملك عبدالله الثاني كتيبة المدرعات الملكية الثانية في عام 1992، وفي عام 1993 أصبح برتبة عقيد في قيادة اللواء المدرع الأربعين، ومن ثم مساعداً لقائد القوات الخاصة الملكية الأردنية، ثم قائداً لها عام 1994 برتبة عميد، وأعاد تنظيم القوات الخاصة في عام 1996 لتتشكل من وحدات مختارة لتكون قيادة العمليات الخاصة، ورقي جلالته إلى رتبة لواء عام 1998.
وفضلاً عن خدمته العسكرية المتميزة والتي تولى خلالها مواقع قيادية عدة، تولى جلالته مهام نائب الملك عدة مرات أثناء غياب جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، عن الأردن، وكانت الإرادة الملكية السامية صدرت في 24 كانون الثاني عام 1999 بتعيين جلالته، ولياً للعهد، علما بأنه تولى ولاية العهد بموجب إرادة ملكية سامية صدرت وفقا للمادة 28 من الدستور في يوم ولادة جلالته في 30 كانون الثاني عام 1962 ولغاية الأول من نيسان 1965.
واقترن جلالة الملك عبدالله الثاني بجلالة الملكة رانيا في العاشر من حزيران 1993، ورزق جلالتاهما بنجلين هما سمو الأمير الحسين، الذي صدرت الإرادة الملكية السامية باختياره وليا للعهد في 2 تموز 2009، وسمو الأمير هاشم، كما رزق جلالتاهما بابنتين هما سمو الأميرة إيمان وسمو الأميرة سلمى.
ومنذ اعتلائه العرش، كان جلالة الملك عبدالله الثاني مصمما على تحويل الأردن إلى انموذج حيوي في المنطقة، فكانت التنمية المستدامة، والنمو الاقتصادي، والرعاية الاجتماعية هي في مقدمة أولويات أجندة عمل جلالته، والتي يتم تحقيقها في مناخ يكفل الإصلاحات السياسية والديمقراطية والترابط الاجتماعي، من أجل تزويد الأردنيين بالأدوات اللازمة لتمكينهم من المساهمة في تطوير بلدهم.
وعلى هذا الأساس، سعى جلالته إلى تكريس عنصري الشراكة والمساهمة الفاعلة من الأردنيين في كل الخطوات التي تنتهجها المملكة، إيمانا وقناعة بدور المواطن في صناعة القرارات ونجاح تطبيقها، وتحقيق الغاية من كل خطوة، استنادا إلى أن تحقيق الحياة الأفضل للإنسان الأردني، هو جزء أساسي في فلسفة الحكم الهاشمي، على قاعدة “الإنسان أغلى ما نملك”.
وفي مقابلة سابقة مع وكالة أنباء أسوشيتد برس الأميركية، قال جلالة الملك عبدالله الثاني “إننا نكتب فصلا جديدا في تاريخنا، وأنا لا أكتبه لوحدي، بل يشاركني في كتابته الشعب، وممثلوه، والقوى السياسية، والمجتمع المدني”.
ولذا، دأب جلالته، استمرارا لنهج حكم ورثه، على التواصل مع المواطنين في مختلف أماكن سكناهم ومواقعهم، والاستماع لهمومهم، وتفقد احتياجاتهم، والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة لهم، في نهج حكم فريد أساسه العدل ومرجعيته الانتساب لآل البيت، وشرعيته تاريخية ودينية من سلالة عرفت بالحكم الرشيد.
كما عمل جلالته على مأسسة العمل الديمقراطي والتعددية السياسية نحو ترسيخ شراكة حقيقية للجميع في العملية السياسية وصناعة القرار، فضلا عن سعيه الدؤوب لتحقيق الاستدامة في النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية بهدف تحسين مستوى المعيشة للمواطن، وكذلك الاهتمام بقطاع الشباب “فرسان التغيير” في جميع النواحي، وإطلاق المبادرات الهادفة لتفعيل دورهم في الحياة العامة، عبر إعطائهم الفرص وتأهيلهم وإعدادهم كقادة للمستقبل، من خلال إشراكهم ببرامج نوعية.
وشارك جلالته، اقتداء بنهج جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، بصورة شخصية ناشطة في إرساء قواعد الإصلاح الإداري الوطني، وترسيخ الشفافية والمساءلة في العمل العام.
كما عمل جلالته دون كلل على تقدم الحريات المدنية، جاعلاً الأردن واحدا من أكثر البلدان تقدمية في الشرق الأوسط، ناهيك عن اهتمام جلالته بسن التشريعات الضرورية التي تؤمن للمرأة دورا كاملا غير منقوص في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المملكة.
ويسير الأردن، وفق الدستور وفي إطار النظام النيابي الملكي الوراثي، ضمن خارطة إصلاح سياسي نابع من الداخل، عبر إنجاز محطات إصلاحية منها: تعديل وتطوير التشريعات السياسية، وإرساء قواعد ديمقراطية للعمل السياسي على مستوى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بالتزامن مع التقدم نحو مأسسة العمل الحزبي، وتطوير آليات العمل النيابي، عبر سن قوانين وانتخاب وأحزاب متقدمة وعصرية.
وعلى نهج الهاشميين، أضاف جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الشرعية الدينية والتاريخية والسياسية، شرعية الإنجاز التي رسخت تاريخ الدولة وحصنت حاضرها وفتحت آفاق المستقبل لأجيالها، بالاستناد إلى إنجازات ماثلة في شتى الميادين.
وجاء إنشاء المحكمة الدستورية ضمن تعديلات شملت ثلث بنود الدستور، لتكون نقطة تحول جذرية في إيجاد مرجعية قضائية عليا ومستقلة، وكذلك إنشاء هيئة مستقلة تشرف على العملية الانتخابية وتديرها في كل مراحلها، ما أسهم في إنتاج حالة إصلاحية تطويرية تقوم على الشفافية والحكم الرشيد.
وشهد القضاء في عهد جلالته جملة من التطورات الإصلاحية المهمة أسهمت في تعزيز دور القضاء النزيه والعادل، ولدى تسلم جلالته التقرير السنوي عن أعمال السلطة القضائية، أعاد جلالته تأكيد أهمية دور القضاء في ترسيخ العدالة، وسيادة القانون، ومكافحة جميع أشكال الفساد، وحماية المجتمع، وتعزيز النهج الإصلاحي وحرصه على دعم الجهاز القضائي واستقلاليته وتعزيز إمكاناته ورفده بالكفاءات المؤهلة لضمان القيام بمهامه وواجباته على أحسن وجه.
وعلى أساس التعددية في طرح الآراء والمشاركة في صنع القرار قدم جلالته خمس أوراق نقاشية بعناوين “مسيرتنا نحو بناء الديمقراطية المتجددة” و”تطوير نظامنا الديمقراطي لخدمة جميع الأردنيين” و”أدوار تنتظرنا لنجاح ديمقراطيتنا المتجددة ” و”نحو تمكين ديمقراطي ومواطنة فاعلة” و”تعميق التحول الديمقراطي: الأهداف، والمنجزات، والأعراف السياسية”.
وعكست هذه الأوراق الملكية قمة الإيمان بإشراك أفراد المجتمع ومؤسساته وأحزابه ومختلف ممثلي فعالياته في صياغة خارطة العمل السياسي لوطنهم، على قواعد الحوار الوطني الفاعل والمنتج، وصولا إلى أراء توافقية يتم تحويلها إلى خطوات إصلاحية ملموسة.
وجلالته يؤمن بعمل الفريق الواحد من اجل خدمة مصالح المواطنين وتحسين مستوى معيشتهم، وتكريس عمل مؤسسات الدولة في خدمتهم بأفضل وأرقى وأكمل وجوه العمل، وهو الهدف الأسمى والأول في فكر جلالته، والأولوية الرئيسة على أجندة عمله.
وفي رسالة موجهة إلى رئيس الوزراء الدكتور عبدالله النسور، قال جلالة الملك عبدالله الثاني “نشير في هذا المقام إلى حقيقة ثابتة بأن مؤسساتنا الوطنية، المدنية والعسكرية، جسد واحد، يعمل بكل تجانس وتكامل، وبروح الفريق، ترفد الواحدة منها الأخرى لسد الثغرات والقصور، يجمعها خدمة الصالح العام ورضا الله في تحمل أمانة المسؤولية”.
وينظر الأردن إلى التحديات التي يواجهها على أنها فرص، وبالرغم من الاضطرابات الإقليمية ، إلا انه ولتمتعه بعزم وتصميم أبنائه قادر على المضي قدما بقيادة جلالة الملك، وبما يتوفر فيه من إمكانات وطاقات بشرية مؤهلة ومدربة.

