في نهاية العام… شكرا يا بلدي
شاهد الأردنيون خلال العام الحالي أحوالا صعبة مرّ بها اخوتنا العرب في سوريا والعراق وليبيا واليمن وسيناء، وكانت كلها مليئة بمشاهد القتل والتدمير والبراميل المتفجرة وقطع الرؤوس والمتفجرات والانتحاريين، مع مشاهد القصف الجوي للتحالف العربي في اليمن وكذلك للتحالف الغربي في عملياته في سوريا، وبعدها مشاهد القصف الجوي الروسي على بعض مناطق سوريا.
نعم شاهدنا كل ذلك وامتعضنا، وأشعرتنا المشاهد بالكآبة واليأس والحزن على حال امتنا، وعلى انحدار مستويات الفكر والظلامية ومظاهر الإقصاء الذي مارسه ويمارسه بعض إخوتنا تجاه غيرهم سواءا كان الإقصاء دينيا او عرقيا بحجج الجهاد والخلافة ونشر الدعوة…
مهما كانت اوضاعنا المعيشية أو الوظيفية أو شكاوينا على ترهل أداء موظفي الدولة وارتفاع المديونية التي يحمّلها الأردنين لرئيس الحكومة فقطّ!! وترانا نعاتبه وربما نشتمه، ونشاهد مجلس نوابنا يهاجمه ويركزالهجاء والهجوم عليه، ونشتكي على تصريف مياه العواصف المطرية في جبال عمان ووديانها، ونشتكي على المرور ومتاعب قيادة السيارات في شوارع بلدنا، ونشتكي نقصا في إمكانياتنا المالية أو نشتكي عبء الديون على الأفراد والمؤسسات ونشتكي ونشتكي…. ونشتكي.
أتجول مثل غيري في بلدي الحبيب من شماله إلى جنوبه، وأتنقل في عاصمتنا الحبيبة ومناطقنا الشرقية، وأحضر مباريات رياضية في ملاعبه العشبية البسيطة في الرمثا والمفرق وعمان والكرك، واتمنى – من باب الطموح والتطلعات المستقبلية – لو كانت الملاعب والطرقات وقيادة السيارات في بلدي مشابهة لما يمارس ويوجد في دولة المانيا الغنية مثلا، ولكنني عندما اعمل الفكر في تقييمٍ صادقٍ لما اصادفه كفردٍ وكمواطنٍ، أجدني منحازا لأداء هذا البلد الصغير الصابر المرابط ، نعم منحازا لأداءٍ يفوق الواقع ويتجاوز كل المصاعب.
بلدنا يستضيف أكثر من مليون ونصف مليون سوري لاجىءٍ ومهاجر، وهو رقم يفوق ما قبلته وتحملته كل الدول الاوروبية مجتمعةً، ويتحمل بلدنا عبء شؤون تعليمهم ورعاية صحتهم وطعامهم وشرابهم، ويقدم بلدنا الصغير لسبعة ملايين من مواطنيه خدماته في الرعاية الصحية في المستشفيات والمراكز الصحية بتغطية تأمينية صحية لهم بنسبة تصل الى أكثر من 80% من ابنائه، وهذه النسبة تفوق ما تقدمه دولة مثل الولايات المتحدة في المجال الصحي لمواطنيها، كما ويتوفر الأمن الفعلي بشكل عام في أنحاء بلدنا، ويتواجد إخوتنا من رجال الأمن والدرك في حضور يبهج القلب ويدفع للطمانينة وأنت تراهم يقومون بواجباتهم من حولك، وتتجول نساؤنا في سياراتهن في معظم ساعات اليوم، ويرتحلن في مختلف المناطق بكل حرية واحترام، ولا تتراكم اكياس النفايات في شوارعنا لأشهرٍ كما يحدث حتى الآن في بيروت ومنذ خمسة شهور ولا أحد يعرف هناك متى سترفع نفاياته.
بلدنا صمد ويصمد ضد كل العواصف والاحداث التي تلتهب من حوله، ويستمر أبناؤه في حياتهم العادية بفضل من الله وجهود مسؤوليه، وتقدم مؤسسات الوطن خدماتها بكفاءة تُريح المواطنين وتجعل حياتهم سهلة، فلاحرب لدينا ولا دمار فوق رؤوسنا، ولا تهجير من مكان لآخر، وآخر النهار ينام كل واحد منا في بيته مرتاحا آمنا مطمئنا، وتصلنا الخدمات ورفع النفايات وتصل المياه والكهرباء لمنازلنا بدون إنقطاع.
لست ادري إذا كان بلدي – وما يقدمه لنا كمواطنين – يقع في القارة الاوروبية!!! أم أنه يقع في الشرق الاوسط الملتهب المضطرب الذي يأكل أقطاره، والذي يدمر مدنه وحضارته ويشرد ابنائه الذين لم يقتلهم بعد!! ويستحق هذا السؤال ان نجيب عليه بكل صدقٍ مع أنفسنا.
سأقول بملء فمي وبأعلى صوتي : شكرا يا بلدي على ما أنت عليه، وشكراً على ما نتمتع فيكَ من خير وكرامةٍ، ولن أكون جاحداً لاقول في نهاية العام 2015 بأنه كان عاما صعبا، ولكني ساقول واحمد الله بانه عام مرّ بسلامٍ على بلدنا ومواطنينا، وهذا ما يسرنا ونامله أن يكون في العام القادم بإذن الله.
حمى الله الاردن

