خرائط جديدة لشعوب اصغر
بين عامي ١٩١٦ و ٢٠١٦ ( الذي على الأبواب ) ينقضي ١٠٠ عام من عمر الشعوب الصغيرة التي خلقها كل من وزير الخارجية البريطاني سايكس ووزير الخارجية الفرنسي بيكو في بلاد الهلال الخصيب ( بلاد الشام والعراق ) التي كانت جزءا من دولة الخلافة العثمانية . كان تقسيم اراضي وشعوب هذه الدولة هدفا استعماريا تمليه مصالح الدول الغربية الاستعمارية التي ارادت خلق توازنات دولية جديدة في الشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الاولى . وعن هذا الهدف تم العمل على خلق شعوب صغيرة في بلاد الهلال الخصيب بهويات وطنية تم رسم حدود دولها على طاولة وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا في ذلك الحين .
ومن غرائب التاريخ ان يخضع مصير كل من سوريا والعراق ( الجزء الأكبر من الهلال الخصيب ) بعد ١٠٠ عام من سايكس بيكو الى مرحلة جديدة من التقسيم بهدف خلق شعوب اصغر وذلك حسب الانتماءات الاثنية والطائفية ( شيعية وعلوية وسنية وكردية ) يدور في فلكها طوائف وإثنيات اصغر واصغر . اما داعش ، فمن تخلفها ووحشيتها وضلالها تؤخذ الذرائع لتقسيم المقسم من الشعوب .
في عام ١٩١٦ رسمت الحدود باقلام رصاص المستعمرين وخُلقت الشعوب الصغيرة حينئذ كضمانة لمستقبل شعب صغير ودخيل تم زرعه في المنطقة هو الشعب الاسرائيلي . وهو ما حفز شعوب سايكس بيكو العربية الصغيرة لمقاومة هذا التقسيم الاستعماري على مدى عقود القرن الماضي ، العراقيون والسوريون والأردنيون واللبنانيون والفلسطينيون كانوا دائماً في طليعة رافعي رايات الوحدة العربية والتضامن العربي وكانت الطوائف بينهم هي في طليعة الطليعة ، فكراً وعملاً ، من اجل هذه الوحدة . … هذا الحال يبدو انه تغير بعد ١٠٠ عام .
من يحمل اقلام الرصاص في عام ٢٠١٦ لرسم الخرائط الجديدة وخلق شعوب اصغر ، هم من بين صفوف الشعوب ذاتها التي كانت ضحية سايكس بيكو ( دوده في عوده ) . هم قادة ميليشيات ورؤساء دول طائفيون ألغوا دور الجيوش الوطنية لحساب حروب داخلية تخوضها جيوش مذهبية واثنية صغيرة متقاتلة . واذا كانت اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة قد نجحت في شئ ، فان على رأس نجاحاتها ، او قل مصائبها وكوارثها ، انها أوجدت للشعوب الصغيرة حكاماً ، برعوا في بث الفرقة والشقاق بين أوساط شعوبهم بدل ان يقيموا دول المواطنة والعدالة والقانون . ومع تراكم الظلم الاستبداد عبر قرن من الزمان ظهرت جماعات وتيارات ظلت الطريق ، وجنحت الى تبني الخرائط الجديدة ، وهي تتغنى بصغر قاماتها وعمالتها وارتباطاتها بكل طامع من الإقليم و خارجه .
لم تزرع انظمة سايكس بيكو المحبة والوئام والسلام بين فئات شعوبها ، انما حرصت على اشاعة الاحقاد من خلال سياسة فرق تسد ليتسنى للقائد الملهم ،الأوحد ، ابن ماء السماء ، ان يحكم الى الابد ، ويعيث فسادا في الارض لم يفعله هامان ولا فرعون . والنتيجة تفشى الغضب الاعمى خلف ضلوع الناس ، الى ان انفجر عنفا وارهابا ، واقصاء وتهجيراً واستباحة للدماء . غضبٌ اسود التهم الضمائر ، وأقصى الوطنية والانتماء من القلوب والعقول فتحولت الى سلعة في سوق السلاح السوداء ، معروضة على رفوفدكاكين العمالة لكل من يدفع من الدول الطامعة ، التي تتربص الدوائر بوحدة الامة منذ مئات السنين .
سواء نجح الحل السياسي في سوريا الذي على وشك ان يبدأ ،او استمرت الحروب واتسعت رقعتها ، فان خرائط جديدة تعد على ارض العراق والشام لخلق شعوب اصغر تُقسم المقسم . وسيكون نجاحا تاريخيا في عام ٢٠١٦ اذا ما انتهت الحروب في هذين البلدين الى تثبيت خرائط سايكس بيكو القديمة ، وتكريس وحدة شعوبها الصغيرة ، حتى وان كان هذا النجاح يتضمن اعترافا بالشعوب الأصغر ، بثقافاتها وحقوقها الاثنية والقومية ، في اطار أقاليم لا مركزية في دول ديموقراطية حديثة .

