صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الطب في الأردن مستوى وممارسة جيدة، ولكن…!

0

لإلقاء الضوء على أركان أساسية في هذا المجال الصحي المهم للمجتمع ، ومن منطلق الممارسة الفعلية لكثير من جوانبه سواء بالنسبة لمقدم الخدمة أو متلقيها أو الممول والمشرف على هذا المجال .
فقد قدًّر الله لي وأنه عبر أكثر من ثلاثين عاماً عملت في كبرى مؤسساته الطبية كرئيس لاختصاص الجراحة و مشرف على تدريب الأطباء وامتحاناتهم كرئيس للجنة العلمية للجراحة في المجلس الطبي الأردني ، ورئيس لجنة أخلاقية المهنة ، ورئيس اللجنة الطبية المركزية ، ورئيس لجنة الانتاجية للأطباء ، ورئيس اللجنة العلمية للخدمات الطبية ، ومشرف على امتحانات الامتياز، ومندوب الخدمات في لجنة العلاج في الخارج ، ولجنة الدراسات العليا في المجلس الطبي ، ورئيس لعشرات لجان التحقيق في القضايا الطبية .
كل ذلك اعتبره مسؤولية كبرى تدفعني لإلقاء الضوء على هذا الجانب المهم في حياة المواطن .
وكمقدمة لا بد منها فإن الحقيقة التي لا يمكن تغافلها أنَّ ما يتلقاه المواطن الأردني من الرعاية الطبية يكاد يُفتقد حتى في الدول المتقدمة، فلا يوجد على الإطلاق مواطن يحمل الرقم الوطني الا ويغطيه التأمين الصحي بصورة من الصور. وهذه الميزة اعتبرها نعمة ، ولكني ما كتبت لألقي المديح بقدر ما أريد أن التمس الثغرات خوفاً من استمرارها أو توسعها .
فالتأمين الصحي الرسمي يتأرجح بين إلحاح المواطن لتلقي أحسن درجات الخدمة الطبية، وهذا بالطبع حقه و لابد من تحقيقه، وبين تردد المسؤول عن مطالبة المواطن بمساهمة أكبر لرفع هذا المستوى، سواء كانت هذه المساهمة الاشتراك المالي، أو حسن التصرف و الاستفادة من هذه الخدمة بدون استغلال لها بصورة مبالغ فيها مما ينتج عنه ازدحام بحالات مرضية بسيطة لا حاجة أصلا لمراجعتها و تؤدي إلى أخذ الاهتمام من الحالات المستحقة. و كذلك تجميع الأدوية و العلاجات و الحرص على صرفها فقط لأنها مجاناً.
و لو اتزنت هذه المعادلة وأصبح متلقي الخدمة حريصا على المحافظة عليها كمثل حرصه على ممتلكاته الخاصة لضمن ذلك استمرارها بل و ارتفاع مستواها.
و فيما يخص فئة المشمولين بالتأمين الصحي الرسمي و المؤهلين للحصول على التأمين عن طريق الديوان الملكي ، فهنا لا بد من العودة إلى أصل هذا الباب الذي جاء لإنقاذ فئة شاءت ظروفها أن تفتقد التأمين الصحي و لا تسمح وقدرتهم المادية لإجراء عمليات كبرى مكلفة.
لكن سوء الاستخدام جاء من جهات مختلفة، أولا : المتلقي ، لقد استغل كثير من الأغنياء و القادرين بل وبعضهم يمتلك الشركات فأصبح ينافس الفقراء أو غير القادرين للحصول على هذه الخدمة. و جانب آخر من سوء استخدام هذا الجانب هو استخدامه لعمليات صغرى يمكن تحملها مادياً لأن كثرة الحالات المهمة و غير المهمة يثقل الكاهل على الدولة و يؤدي إلى حرمان الفئة المستحقة فعلا من الاستمرار في الاستفادة من هذا النوع من التأمين على أحسن وجه وبصورة ميسرة.
و السلبية الأخرى التي ترتبط بهذا الجانب و بصورة غير مباشرة أن كثيراً من المؤسسات العامة ربطت حوافز الأطباء من المردود الآتي من هذه الفئة بالذات. وكأن المشمولين الأصليين بالتأمين الصحي و هم أصحاب الحق و المساهم في التأمين وظيفياً و اشتراكاً أصبحوا لا فائدة مادية منهم في نظر مقدم الخدمة وهذا بالتأكيد استنتاج خاطئ لممارسة خاطئة.
و لإلقاء الضوء على الطبيب فإنه لا زال يتبوأ مستوى اجتماعياً ترنو إليه الأعين ، وهذا انعكاس لاهتمام الناس بصحتهم فإنه من يحترم صحته لا بد من احترام الطبيب الذي يعالجه.
و ممارسة الطب هذه الأيام تحتاج حتى تحافظ على مستواها العالي من مزيد من التخصص و هذا يحتاج من الطبيب سنين إضافية بعد التخرج فيما يسمى سنين الإقامة و التدريب. وهذه السنين تختلف عن الدراسة فإن الطبيب يقدم الخدمة أثنائها بل و بدرجة تفوق وقتا و جهداً ما يقدمه الاخصائي و المستشار من حيث المناوابات و العمليات و العيادات . بل إنهم هم من يراهم المرضى في الطوارئ و يتلقون منهم العناية المباشرة و المتابعة و العلاج في العيادات و الأقسام .
هذه الفئة أصبحت الآن تتعرض للاستغلال و للأسف من زملائهم المشرفين على المؤسسات العلاجية كنوع من استغلال حاجتهم للتخصص، و كأنهم لم يمروا بهذه المرحلة الأساسية حين حصلوا على التخصص. و هذه الظاهرة لها انعكاسات سلبية خطيرة على كل الأطراف بيما فيهم المجتمع.
فالمرحلة العمرية لهذه الفئة من الأطباء و التي تلي التخرج بعد سنين طويلة من الدراسة هي مرحلة التكوين الأسري و تأسيس البيت و هي أيضا مرحلة رد الجميل من قبل هذه الفئة للأهل الذين ساعدوهم في الدراسة .و استغرب كيف رضي ضمير هؤلاء المسؤولين اياً كانوا للعبث في حياة و مصالح هذه الفئة من الأطباء . و الذي سيؤدي الاستمرار فيها للوصول إلى خلل واضح في البنية الاجتماعية و الحالة النفسية لهؤلاء الأطباء و الذين سيعيشون بالتأكيد حالة من عدم الرضى تؤثر على أدائهم الوظيفي يدفع بالنهاية المريض ثمنها فهو أكثر من يتضرر من عدم رضى طبيبه بالظروف المادية و الاجتماعية.
بل إن المريض و المجتمع سيدفعون الثمن مرة أخرى حينما يحصل هذا الطبيب على شهادة التخصص بعد هذه السنين الطويلة من الحرمان و التي تدفعه بالطبع إلى ردة فعل ليتمكن من تعويض ما حرم منه فترة طويلة . بكلمات أخرى هو سيسعى في الوصول على حقه لكن في الوقت غير المناسب و من الشخص البريء. فما الضيرمن إعادة التوزيع السليم لإجره المادي عبر قانون يحرم استغلال الطبيب للعمل بغير أجر .
و فيما يخص احترام المواطن للمستشفى الذي يتلقى هو و ذويه العناية الصحية فيه وهنا اخص بالذكر المستشفيات العامة، فالاصل ان يلقى هذا المكان كل الاحترام و التقدير ، و لكننا نرى للأسف عكس ذلك بل منهم من يقيم السهرات الطويلة و لا يحترم أوقات الزيارة و يدخن داخل قاعات المرضى . فنحن جميعا بحاجة إلى إعادة ما عرف عن مجتمعنا بروح الاحترام و التقدير للعاملين الذين يقدمون الخدمة من علمهم ووقتهم و جهدهم .
و أختم بموضوع هام يجري الحديث عنه حالي‍اً بصورة لا تأخذ بالاعتبا كافة نواحيه ألا وهو موضوع المساءلة الطبية .
فمن حق المريض أن يحصل على العلاج و الرعاية الطبية بلا إهمال أو تقصير و هذا الحق لا مجال للشك فيه أو التقليل من اهميته.
و لكن كيف يمكن مساواة من يخدم في المناطق النائية التي تفتقر لوجود ابسط الأجهزة الطبية وخاصة التشخيصية ، و يخدم دون غطاء له من الاخصائيين و المستشارين يمدونه بالإرشاد والتعليم المستمر ، كيف نساويه مع من يعمل في مستشفى يحتوي اعقد الأجهزة الطبيه و لديه فريق طبي كامل يغطيه و ظيفيا و علميا ؟
و كيف يمكن ان نساوي من يستقبل في عيادته او في الطوارئ اكثر من مئة مريض يوميا مع من يعالج بحدود عشرة مرضى في اليوم و قد تم فلترتهم من قبل الطبيب العام و قد حول اليه الحالات المستحقة للتحويل مرفقة بالفحوصات اللازمة ؟
و كيف يمكن ان نساوي بالمسائلة طبيب يعمل في مستشفى يضمن له الدفاع عن حقوقه ما دام ملتزما بالقانون و الارشادات الطبية مع طبيب يترك للدفاع عن نفسه وحيدا؟
إن المساءلة الطبية حق و نحرص على تطبيقه في ظروف طبية سليمة يسودها العدل في التوزيع و المهام. وان نتجنب ما ندم كثير من الدول بعد ان رأوا استغلال هذه المسائلة من قبل شركات التأمين و المحامين حتى اصبحت مصدر ثروة هائلة لهم تتجاوز الهدف السامي للمساءلة الطبية. و لتجنب هذه النتيجة لا بد ان تنفذ المساءلة الطبية عبر جهة قضائية طبية تشرعها الدولة و تتلقى قضاياها من قبل جهة طبية رسمية تدرس و تحقق في القضايا بصورة حيادية و فنية لا يمسها الشك حتى تصبح منيعة غير قابلة للاستغلال من اي جهة تدفعها الاهداف المادية دون وازع من ضمير او التزام اخلاقي.
و دمتم سعداء أصحاء.
الدكتور علي داود العبوس
26/12/2015

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.