مشاركة … لا تكسّبٌ ولا عنفٌ ومواجهة
إن النظر الى العلاقة بين المواطن والدولة أمر يستحق الدراسة، فمنذ أن حصلت معظم الدول العربية على إستقلالها في القرن العشرين كان على الأجهزة الرسمية والقادة في الدول العربية أن يبدأوا من زاوية مهمة يجب ذكرها والإنطلاق منها، ألا وهي نظرة الفرد إلى الدولة ، لقد كان للإستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي أثر سلبي فالدولة مستعمرةٌ والإدارات والحكومات والقوة العسكرية بأمر المحتل، وعلى المواطن الإمتثال لكل ما يريده هؤلاء، وبعكس ذلك فالإهمال والاذى والضرر كان يلحق بالمواطن ظلما وضررا (مشابه لوضع الفلسطينين في بلدهم المحتل)، وكلما مسّه الضر بشكل أكبر كلما إستمتع المحتل بقوته وأذاه، وبقي الموضوع هكذا إلى أن نالت هذه الشعوب إستقلالها سواء عبر المقاومة أو عبر التوصل إلى إتفاقيات سمحت بذلك.
أما تأثير الحكم العثماني على الفرد العربي أينما كان فقد كان مبنيا في نهاية الأمر على التعامل مع حكومة مركزية في إسطنبول عبر حكم محلي لا يهمه أكثر من أن يضمن وصول الضرائب ويؤمن السيطرة واحيانا أن يجرذ السكان إلى حروب مع ابناء جلدتهم مثل حرب العثمانيين في اليمن مما كان غير مقنعا لا سكانيا ولا جغرافيا ولا يخدم اي هدف نبيل، وكان العمال يخدمون كرهاً، وفي فترة حكم الرجل المريض والتتريك وصل الوضع بالمستخدمين في الأعمال الشاقة بأن كانوا يدعون الله أثناء عملهم في فتح الطرق وتكسير الصخور بان (يكسرها) وهم يقصدون الدولة العثمانية في حين أن المشرفين يظنون أن المقصود هو الصخرة التي يضربها العامل.
ورغم الآمال الكبيرة التي حملها الإستقلال لبناء الدولة القطرية أو الوصول للوحدة العربية إلا أن إهتمامات الأجهزة الرسمية في البلدان العربية وأنشطتها إنصبت على بذل الجهود والإجراءات وخلق الظروف المناسبة لضمان الحكم واستمراره أكثر مما إتجهت للتنمية الحقيقية الداعية لبناء العلاقة مع المواطن عبر برامج حقيقية للتنمية البشرية والسياسية والاقتصادية تسمح بتشكيل علاقة عضوية وتفاعلية بين جميع مكونات المجتمع المدني بما فيها الأحزاب السياسية مع الدولة وأجهزتها.
إن التنمية البشرية والسياسية والإقتصادية الحقيقية تعمل على رفع المستويات العلمية والتعليمية والثقافية والإجتماعية والصحية التي تهم المواطن وتزيد من قدراته واهتمامه بشؤون بلده وتدفعه للتفكير باهمية إحترام الآخرين وأرائهم والوصول إلى تفاهمات معهم تنظم علاقته مع جيرانه وسكان حيه وبلدته ومدينته ومن ثم حزبه وحكومته ودولته. هذا التطور يأخذه إلى أن يكون مشاركا يسعى للعب دورٍ إيجابي مع إخوته المواطنين، وبعدها مع مجلس نوابه وحكومته. وهذا الفهم والإحترام لنفسه ودوره وولدور شريك الوطن معه يدفعه إلى علاقة عضوية تفاعلية تشاركية تبعده عن السلبيات والعصبية الجانبية والمواجهات العنيفة مع جيرانه أو في حيه وجامعته، أو خصومه في الرأي وتبعده أيضا عن النظرة السلبية الى الدولة (كما كان الشعور مع الدولة العثمانية) لتحصيل الحقوق أو مكافحة الفساد أو رفض إهمال أو تسلط أي جهازٍ أو مؤسسة رسمية على حياة الناس.
إن التأخر في الوصول الى المبتغى في التنمية البشرية التي تتمحور عادة على بعدين يسعى أولهما إلى بناء القدرات البشرية الممكنة والتوصل الى مستوى رفاهٍ إنساني من الحياة الصحية والطويلة واكتساب المعرفة والتمتع بالحرية لجميع المواطنين دون تمييز، أما المحور الثاني فيركزعلى التوظيف الكفؤ للقدرات البشرية في جميع مجالات النشاط الإنساني وفعاليات المجتمع المدني وفي السياسة.
لقد نجحت الأجهزة الرسمية العربية في تبني منهج الدولة الرعوية التي يحتاجها المواطن في كل شيء، وأدى ذلك إلى وجود سيطرة مريحة للأجهزة الرسمية في فرض ما تريد سرا وعلنا في تحديد المسارات المعيشية والسياسية كما تريد، وارتاح الناس في المقابل على نيل الخدمات (حتى مع صعوبة ذلك في بعض الدول العربي) في حين تعرضت الحكومات للنقد والضغط منهم على ضرورة تقديم خدمات أفضل وتحميلهم الحكومات لكامل المسؤولية عن كل شيء إجتماعيا وإقتصاديا وسياسيا وعنفا مجتمعيا وفقرا وبطالة وأمراضا ومديونية وأسعارا وهواءا وماءا ومزاجا وموسما بما فيها حالات الجفاف أو كثرة الأمطار!!!
سيكون كل ما نقول تنظيرا قريباً من الفلسفة وممن لا يحملون المسؤولية المباشرة في إدارة شؤون الحكم، وبالتالي ممن يتعاملون مع المواطن وكأن ما يقال في هذا الموضوع رفاهية لا يحتملها أي بلد عربي!! ولكن الجواب على هذا الفكر والدعوة تنطلق من أن البديل للأسف ينحصر في جانبين لا ثالث لهما: أن تستم وتتعاظم نظرة العداء والمواجهة والعنف من الفرد لكل ما حوله من جار وساكن بلدة أو رئيس بلدية أو برلمان أو حكومة وفي النهاية أجهزة رسمية بما فيها الأمن العام وغيره، أو أن يتجه تكسباً للتواكل المطلق الذي لا ينتج ويبقيه متلقيا للرعاية والهبات وحملات البر والإحسان وسائلا لخدمة أو مشروع بسيط في منطقته، وتدفع أغراض المقارنة لبيان وجهة النظر حول معظم البلدان العربية إلى ذكر بلد مثل تايوان الذي حقق في العام 1987 فائضا ماليا وصل إلى حوالي 18,7 مليار دولار من مجموع سكان كان عددهم يقارب 19 مليون شخص، وكان الكل يتفاعل مع المخططين في كل شيء وهم مستعدون عسكريا ونفسيا وفكريا لحماية بلدهم عبر الإنتاج والمشاركة الإيجابية في كل نشاط مدني وسياسي وعسكري، ورغم إنخفاض هذا الفائض في الميزان التجاري لاحقا نتيجة لضغوطات خارجية امريكية تحديدا، ألا أن تايوان نجحت في الإرتقاء في بناء التفاعل والعناصر اللازمة التي اوصلت البلد في العام 2014 ليبلغ ناتجاً قومياً وصل إلى 489 مليار دولار مما كان يعني إستمرار كل الشعب في البناء والإنتاج والتفاعل، ولم تحتلها الصين، ولا ثارت فيها القلاقل، وكان التواكل والفقر بعيدا عنهم.
سيكون التحول في العلاقة في بلداننا العربية بين المواطن وبقية من حوله أمراً لا بد منه مهما تأخر العمل في تحقيقه، وعلى المخططين تغيير ذهنيتهم وثقافتهم ونظرتهم نحو حاجة البلدان والعلاقة مع المواطنين، وذلك حتى تؤدي في النهاية وبأسرع وقت إلى مشاركتهم في كل شيء عبر التنمية الحقيقية، مما سيعني الدخول في مراحل إنتقالية يتحول فيها الفرد من شخصٍ لا أباليٍ عنيفٍ إو متواكلٍ متلقٍ وسائلٍ للخدمة والمعروف اوالهبة إلى قوة منتجة أبيّة تغارعلى بلدها ووضعه، وتعمل قوة الأفراد جاهدة لرفعة نفسها أولا والإرتقاء بعلاقتها مع الآخرين خدمة لعيشها ولبلدها،: ولتحميه عبر التفاعل الفعلي والعضوي للصالح العام ولا تتعصب لأي جهة كانت إلا لبلدها وسلامته، حمى الله بلداننا وشعوبنا.
سعيد شقم

