سوف أحيا…
متى سيشعر المواطن الأردني بأن ما يجده في بلده يستحق أن يقول له بالصوت العالي: أحبك يا بلدي وأنا سوف أحيا وأستمتع بحياتي فيك لأنك تستحق ذلك.
بعيداً عن خداع المواطنين فإن الحكومة وجلالة الملك يقولون بأن الوضع الإقتصادي صعب وهو الحلقة الأضعف في تطلعات الحكومة والدولة، ويجب الإعتراف بذلك كخطوة مهمة للمعالجة ولكنها ليست الوحيدة، حيث تمر حياة المواطنين في الأردن في منعطف رديء (لن أقول خطير) من نواحٍ كثيرة منها الإقتصادي الذي يتحدث فيه الناس عن وضع غير مريح في خلق فرص العمل وبالتالي مواجهة مصاعب مرتبطة بالبطالة، او بان الإقتصاد متباطىء واقرب للركود إلا من قطاعات بسيطة، مضافا إليها ضعف القوة الشرائية أصلا لعامة الشعب التي تجعل إدارة الدخل الشهري عملية مضنية وغير ناجعةٍ في معظم الاحيان، ومنها نفسيٌ مرتبط بالإقتصادي وله علاقة بالأنباء الواردة إلينا من خارج بلدنا عن الإرهاب والإقتتال في بعض بلداننا العربية والتفجيرات والقتل الذي يمارسه الإرهابيون في كل مكان!! يضافُ لها بضعة حوادث محلية منها قصة الشقيقتين وعدم القناعة بما قيل ويسود ذلك حديث المجتمع عنها، وكذلك يثيرنا سلبا ما نسمعه عن قضايا القبض على المطلوبين الخطيرين وما ينتح عنها من خسائر حتى في رجال الامن، وتتبعها المشاجرات بين العائلات أو مجموعات العائلات في الاحياء وتدخل قوات الدرك لفضها أو الحجز بين المتشاجرين داخل أحيائنا ومدننا في ظاهرة غريبة لا توجد في دولة أفريقية وحريّ بها أن لا تكون في الاردن!!! وفوق هذا وذاك ما يحققه الأمن العام في مكافحة المخدرات التي تدل وللاسف على نشاط محموم للمهربين والمروجين!! اما قضايا الحياة اليومية مثل المرور والمعاملات في الدوائر العامة فإنها تدفع باتجاهات سلبية تصل إلى حد الكفر بالمسلمات التي كانت سائدة في مجتمعنا من حب الوطن والنزاهة والنخوة وحتى هيبة الدولة التي أصبحت لا تهم الموظفين الفاسدين بأي شكل من الأشكال وتراهم يحيون حياتهم بشكل علني يجاهرون بافعالهم السيئة!!! ويبقى الحدث عن الفساد وربط المجتمع له بشخصيات شغلت مواقع مكنتها من أن يربط اسمها بالفساد الذي أغلق ملفه بدون خسائر في جانب هذه الأسماء مما يدفع للحيرة واستمرار تناول اسمائهم والحديث عن مدى الجدية في جهود مكافحتها!!
وبقدر ما يحترم كل المواطنين موضوع الأمن والامان الئذي يتمتعون به في كل لحظة إلا أن هذا الوضع الذي نتج عن عوامل مختلفة ويسجل فيها للقيادة والأجهزة الأمنية كل التقدير والعرفان، لكن الغيورين يشعرون أن إستمرار أسباب الشعور السلبي تبدو غالبة في حياتهم وتنتج ما يدفع البعض للهجرة أو التفكير فيها، ويقول آخرون بأن مشاكلنا لن تحل وتخوفهم من المستقبل كبير حتى مع إستمرار الأمن والامان بنجاحٍ نتمناه كلنا لبلدنا الغالي.
ما الذي سيدفع المواطنين لتغيير شعورهم ؟؟
لا يمكن أن يكون الحديث في شأن هام مثل هذا بمقترحات فردية فالشأن العام يجب أن يكون على مستوى الوطن كله ويكون فيها توجه وعمل جاد من أجهزة الدولة أولاً، وأن ذلك يجب أن يبدأ بدون تأخير لأهميته وليس لأننا نطلب به، أو أن يفسر لا سمح الله بأنه وهمٌ نعتقد أنه حقيقة تستحق أن تعالج.
إن أخطر ما ستواجهه مثل هذه دعوات الخير او الإصلاح هو بأن يخرج علينا مسؤولون ليقولوا بعكس ما يقوله كل الناس، وأن يتغنّوا بفقط بالامن والامان ويكرروا مدحهم لجلالة الملك وجهوده ويعتبرون أن ذلك كافٍ للرد على ما يهم الناس ويكفي لعدم قيامهم بأي شيءٍ بدل أن يعملوا مخلصين ليصبح بلدنا كما نتمناه واقعا وشعورا ومشاركة من المواطنين وأن يضيف ذلك واقعا أفضل للقيادة والدولة بدل التسحيج واضاعة الوقت في جهد تمويهي (هيلمة).
سيحتاج المواطنون في الأردن لأن يتقنوا فن التمتع في الحياة مهما كانت الظروف التي يواجهونها، نعم، نحن نتقن فن القدرة على العيش وتحمل المصاعب، ونجترّ أحزاننا ونجترّ همومنا كلما إلتقينا مع بعضنا، ويساعد على إستمرار حياتنا بنمط معيشي ممل جداً، هذه الجدية التي نصبغ حياتنا بها في الملبس والتدين الشكلي، واختفاء جوانب مهمة وأخرى في حياتنا مثل النشاطات الفنية والرياضية في المدارس والجامعات وفي المسارح والمناطق لتتنوع حياتنا ولتصبح مواضيع الحديث متنوعة، ولا تتركز معظمها ويسود فيها النقاش في الآخرة وجهنم وعذابها بالإضافة لما ذكرناه عن السلبيات، وليس لدينا إمكانية الحديث في موضوع مختلف أو حديث يمكن أن يدخل الفرحة والمزاح على أجوائنا، وكأنها أصبحت أو ستصبح من المحرمات لاآن او لاحقا وكأننا في أفغانستان وتحت حكم طالبان!! فلا أحد يسمع من جليسه مثلا إعجابه بحدث فني حتى ولو كان ذكر أغنية أدخلت البهجة على نفسه، او أنها أثارت فيه ذكريات جميلة وجعلته يتذكر اللحن والاداء والموسيقى الرائعة، وانها نقلته لحالة فيها نشوة وراحة نفسية أنسته كل تعاسة العالم مثلا، وذلك لأنه سيبدو نصف كافرٍ (حتى الآن ولكن كافر تماما بعد قليل) أو بأنه مترفه لا تهمه مشاكل مجتمعه.
لا أحد يمكنه القول بان الحياة في الاردن اسهل من غيرها في العالم، ولا أن يقول اننا لسنا في معاناة بيئية مائية وغذائية ومرورية مشابهة لمعاناة دول العالم النامية ولكنها بعيدة عن مستويات الدول المتقدمة، وأننا ما زلنا نعاني من العصبية السلبية للعائلات او الجهوية مما يفسد مفاهيم المجتمع المدني المتطور الذي نتمنى ان نعيش فيه نحن وابناؤنا وأحفادنا، ولكنها ليست السبب الوحيد للشعور السلبي، ويجب أن يعترف من سيتصدى لمهمة تغيير المزاج العام بأن الموضوع لا يمكن معالجته بقصص ونشاطات وهمية او صورية حتى يقتنع الناس بان اعمل قد بدء في معالجة الأسباب الحقيقية هو ما سيدفع الناس للتقدير.
إن الشعور السلبي العام مرتبط بأمور ثانوية وامور أساسية يبدأ أولها بمعالجة أسباب عدم قناعة الناس للاسف بخطوات فتح المجال لمشاركتهم في التحوّل الديموقراطي وذلك بدءاً من القوانين المتعلقة بالاحزاب والحريات والإنتخاب، وانتهاءاً بقدرتهم على الإختيار لمن يستحقون أن يمثلوهم، وليبدأوا في تملك الشعور الحقيقي بأنهم يساهمون في جزء مهم وجاد سيضع عملية الإصلاح على طريق النجاح، وبالتالي يكون تعديل المزاج العام عملية لها بداية من هناك ويمكن تحقيقها وإصلاحها ديموقراطيا عبر صناديق الإقتراع، والاهم بأن نجعل الغيورين من المواطنين لأن يقولوا باسم كل منهم بالفم المليء: سوف أحيا… سوف احيا والمكان الذي اختاره هو بلدي الاردن حتى يفعل الآخرون ذلك بعدهم، ولا يفوتنا أن نقول بأننا سنحتاج إلى نشاط إبداعي أكثر لتزداد عناصر البهجة فيما نشاهد وما يمكنه أن يرفع من معنوياتنا، وعلينا أن نتعلم كيف نحيا مهما كان عمر الواحد منا فليست الحياة مجرد رغيف الخبز ولا الأمن والامان فقط.
لنقارن الوضع مع لبنان مقابل وضعنا، حيث يمكن أن يسجل بلدنا تفوقا في مزايا عديدة لبلدنا في معظم ما يمكن أن نقارنه بلبنان، ولكننا نقف امام مزيّة لبنانية تثير الإعجاب وهو ما يردده اللبنانيون بعد كل حفل فني ورياضي أو نشاط يجمعهم وحتى بعد اي حادث أمني فيقولون: لبنان يعني الحياة، وهكذا نريد أن نعيشه وان يستمر وأن يكون امام كل المصاعب، نعم يريدون ان يعيشوا حياتهم ويتمتعوا بها.. ولم لا..
سوف احيا… شعار يمكن أن يطلق هذه الإبداعات وهذه الأجواء التي نحتاجها.
حمى الله الاردن والأردنيين،

