’الاستراتيجية’ لم تطبق والحريات الإعلامية في انحدار
اقصد هنا الاستراتيجية الإعلامية التي وضعت في عام ٢٠١١ وأقرتها جميع الحكومات من حكومة البخيت الى حكومة النسور ، وقد أقيمت لها احتفالية كبيرة تحت رعاية الملك لانها وضعت بطلب مباشر من جلالته في رسالة وجهت الى الحكومة في آذار من ذلك العام . الخطوط التوجيهية العامة للرسالة تقوم ” على قاعدتي الحرية والمسؤولية ” في الاعلام ، كما تدعو الى مراجعة التشريعات الناظمة للاعلام لحماية المواطن من الاساءة واغتيال السمعة . ” وبما يتماشى مع كوننا في الاردن ” وطن حرية وابداع يقبل الرأي الاخر ويحترم التعددية والعدالة وسيادة القانون “.
لقد تشرفت بالاشراف على اعداد هذه الاستراتيجية ، وقد حرصت على مشاركة جميع اطياف المجتمع وفعالياته في اعدادها باللقاءات واستقبال الاقتراحات من الإعلاميين في القطاع العام والقطاع الخاص ، ومن نقابة الصحفيين ولجنة التوجيه النيابية والقضاة والقانونيين المعنيين ، ومركز حماية الصحفيين ، و عمداء كليات الاعلام وممثلين عن المدن الإعلامية والكتاب والفنانون ونقاباتهم الخ ، لأنني أومن بان الحريات الإعلامية لا تخص الصحفيين وحدهم لانها رافعة الاصلاح السياسي والاقتصادي ، وتمثل هوية النظام امام العالم وامام نفسه وشعبه ، في قياسات الحرية والكرامة والحقوق .
الاستراتيجية مثلت الافكار والمبادئ المتعلقة بالحرية الإعلامية التي عبر عنها الملك عبد الله الثاني منذ بداية عهده من خلال محطتين أساسيتين وفي اهم وثيقتين حول هذه الحريات .الاولى – ما ورد في الارادة الملكية بتشكيل اول مجلس اعلى للاعلام في عام ٢٠٠١ . والثانية – الرؤيا الملكية للاعلام التي جاءت في رسالة جلالته الى الحكومة في عام ٢٠٠٣ .
كل هذا المقدمة عن الاستراتيجية ضرورية من اجل ان لا يساء الحكم على ما ساقول ، في ما آلت اليه الحريات الإعلامية من انحدار .. واذا عاد القارئ الى مضمون الرسالتين الملكيتين ، ثم الى مخرجات الاستراتيجية الإعلامية ، سيجد ان البون شاسع بين ما طرح فيهما من توصيات واهداف وبين اداء الحكومات عند التنفيذ .
لا الوم (ديوان تفسير القوانين )عن ما صدر منه من تفسير حول الجرائم الالكترونية ومحاكمة الصحفيين على المادة ١١ منه وليس على قانون المطبوعات . للمجلس كل الاحترام ، إنما استغرب لجوء الحكومة في الأساس الى طلب مثل هذا التفسير !. وكان عليها ان تزيل ( ومنذ سنوات ) كل تناقض او التباس حول القوانين المتعلقة بحرية النشر وذلك من خلال تنفيذ ما التزمت به عندما تبنت الاستراتيجية استجابة لكتاب التكليف السامي لها عند تشكيل الحكومة .
لقد تم تجاهل اهم بنود الاستراتيجية الخاصة بتعديل ” التشريعات الناظمة للعمل الإعلامي ” .. كان على الحكومة مراجعة هذه التشريعات (وعددها ١٠ ) وتعديلها في فترة لا تتجاوز العام . في مقدمتها قانون العقوبات وتعديلاته رقم ١٦ لسنة ١٩٦٠ ، قانون محكمة امن الدولة رقم ١٧ لسنة ١٩٥٩، قانون جرائم انظمة المعلومات لعام ٢٠١٠ . وان يتم هذا التعديل في العام الاول من جدول التنفيذ . فقد نصت الاستراتيجية بكلمات واضحة على ان الهدف من هذه التعديلات ” إيجاد نصوص واضحة تمنع التوقيف والحبس في قضايا المطبوعات والغاء المصطلحات الملتبسة الواردة في التشريعات التي تحتمل اكثر من تأويل وتفسير ” وانه ” في حال فرض عقوبات يجب ان تراعي مبدأ التناسبية وتقليل الضرر عن حرية التعبير “.
اي حرية تعبير يجري الحديث عنها في غياب مثل هذه التعديلات ؟ اي صحافة حرة واي اعلام حر قادر على العمل في ظل سلسلة قوانين خانقة مظلمة مثل التي في قانون الجرائم الالكترونية ، وفي المادة ١١٨ من قانون العقوبات التي تنص على ان ” يعاقب بالاعتقال المؤقت مدة لاتقل عن خمس سنوات من اقدم على اعمال او كتابات او خطب لم تجزها الحكومة فعرّض المملكة لخطر اعمال عدائية او عكر صفو علاقاتها بدول اجنبية “. ( راجع كتاب المتطلبات الدستورية والقانونية للدكتور محمد الحموري ).
وباستثناء تعديل قانون نقابة الصحفيين فان الحكومات سارت على خط واحد معاكس باصدار التعديلات على القوانين ذات العلاقة لهدف التضييق على الحريات وليس حمايتها بحجة وقف التجاوزات وجرائم القدح والذم . قافزة فوق كل ما أوردته الاستراتيجية من خطط تتعلق بتطوير المهنية الإعلامية والصحفية ، والتنظيم الذاتي للاعلام الالكتروني ، ولغيره من القطاعات الإعلامية تحت مظلة النقابة ، ووضع مراقب داخلي في كل وسيلة إعلامية وصحفية ( للارشاد القانوني ) وصولا الى مجلس الشكاوى . وكل هذا ( لو تم تنفيذه ) لا يعطل حق المواطن والمسؤول في اللجوء الى القضاء، لكنه وهذا المهم يخلق بيئة قانونية ومهنية تحفظ الحريات الإعلامية ، بقدر حفظها للحريات العامة للمجتمع والشخصية للأفراد .
ما يجرى منذ سنوات هو توريد القانون بعد الاخر من مجلس الوزراء الى مجلس النواب في خط معاكس تماما لكل توصيات الرؤيا الملكية وبنود الاستراتيجية الإعلامية . النتيجة ما نحن فيه من حال . والحقيقة اننا وصلنا الى بيئة سياسية رسمية منشغلة في كيفية معاقبة من يحلم . فواقع هذه العصر ومستجداته ان الناس يلجأون للاعلام الالكتروني ( في غياب الحريات الحقيقية ) ليفرغوا فيه احلامهم وغضبهم وكوابيسهم ، ومن يلاحق هذه الاحلام يغلب نفسه ويغلب غيره .
العقوبات تكون عادلة وسليمة عندما يكون المجتمع امام فرص مشاهدة وسائل اعلام يجد فيها اجوبة على الأسئلة التي تتردد في عقله وذهنه ، و يرى ويسمع من خلالها الرأي والرأي الاخر حول كل قضية تتعلق بشؤون بلده وشؤون مجتمعه وشؤون معيشته ، من علاقة الاردن بالعالم الى اخبار المديونية والضرائب وما نفذته او لم تنفذه الحكومة من التزامات ووعود … ان يرى جدلا وحوارا وقد قال الله تعالى ” .. وكان الانسان اكثر شئٍ جدلا “. .
لقد دخل الملل الى نفوسنا من اقوال ومزاعم تتكرر بان الحرية الإعلامية في ذروتها بسبب مقال رأي ناقد يكتب هنا او هناك . حرية الرأي في الصحافة كما في الاعلام هي في حق الحصول على المعلومات و نشر التحقيقات وفتح الملفات حول الاداء الحكومي تحت سقف الدستور ومادته رقم ١٥ حول حرية التعبير ، والمادة ١٢٨ التي تنص “على عدم جواز اصدار قوانين تؤثر على جوهر الحقوق والحريات او تمس أساسياتها ” . هذه المادة التي تم نقضها ، كما يقول الدكتور محمد الحموري ،في قانون منع الارهاب الصادر في عام ٢٠١٤ الذي يعتبر ان نقد دولة اجنبية يشكل جريمة وهو ما يعيد انتاج المادة ١١٨ المذكورة أعلاه من قانون العقوبات . وبالمناسبة فان كتاب الدكتور الحموري ( المتطلبات الدستورية والقانونية لاصلاح سياسي حقيقي ) هو افضل ما قرأت في مسألة الاصلاح في بلدنا ويستحق ان يكون مرجعية لكل اردني تعنيه هذه المسألة .

