شتان من يبنيه …ومن دمره
لا يمكن ان تتحدث عن الخراب والدمار الذي حل في العديد من الدول العربية دون ان تتسائل عما كان حالها قبل الثورات والحروب الاهلية فيها حيث كان غياب الديمقراطيات وانتشار الظلم أو الحكم الديكتاتوري فيها رغم انها جميعا كانت تتمتع بحدود لا بأس بها من البنى التحتية ومن الأمن ومن الخدمات الأساسية في الحصول على المياه والتعليم والصحة والغذاء والدواء.
يا لحالِ هذه الامة وشعوبها التي عانت فيه من حكوماتها وانظمتها التي شابها ضعفُ التخطيط المستقبلي او سوئه بالإضافة إلى ضعف معالجة مشاكل الفقر والبطالة، ولكن الشعوب عندما رفضت الاداء السيء والظلم والديكتاتورية لم تُفتح أمامَها ابواب التغيير الإيجابي، فما كان أمام الرافضين وقامعيهم إلا الحرب وتخريب بلادهم، وانتهى الحال بترحم جزء من الشعوب عن الحكام او الانظمة التي تسببت بجر البلد إلى منزلقات سببت رفض الناس لإستمرار السوء الذي رافقهم من ألأنظمة التي حكمتهم.
لا يصح من الناحية المنطقية أن نقارن بين من بنى بلداً فعزّز بنيته التحتية والتعليمية والصحية، وأتاح المجال للزراعة والصناعة أن تتطور وبين من لم يفعل من الحكام او الحكومات، وشتان بين من سمح للديموقراطية الحقيقية ان تأخذ مداها وبين من لم يفعل، وشتان ما بين من أغلق ابواب المعتقلات والسجون على من دخلها ممن إستخدموا حرية التعبير، وما بين من أغلق أبواب السجون فلم يدخلها أحد من قادة الفكر واصحاب الرأي أو الذين عبّروا عن آرائهم فيما يجري في بلدهم.
إن عملية البناء الشاملة والحقيقية كانت يجب أن تشمل كل شيءٍ في أي من هذه البلدان، وكان البناء الشمولي الذي حوى الديمقراطية سيشكل رادعاً قوياً للمواطنين لكي يحافظوا على مكتسبات بلدانهم، ومثلهم كان سيفعل حكامهم، فيقبلون مطلبَ الناس بالخروج من الحكم، وذلك لأن الحكومات أو الحكام كانوا نتاجاً لعمليةٍ ديمقراطيةٍ أوصلتهم للحكم، وكان في ثقافتهم التي تم بناؤها في عقولهم وعقول المواطنين بأنهم غير مخلّدين في مناصبهم فأصبح تغييرهم ممكن سلميا ممن إنتخبهم، وفي مثل هذه الأحوال نستطيع ان نقارن فقط بين بلدٍ تم البناء فيه لكل تلك العوامل، وبين بلد إختصر عملية البناء في الجوانب المادية، ولكنه تغاضى عن البناء الديمقراطي فلم يعرف الحكام ولا المحكومون بأن يتقبلوا فكرة التغيير السلمي عبر الإنتخابات أو الإعتصامات الشعبية فتقاتلوا فيما بينهم، لأن التدمير الحقيقي للبلد الواحد كان قد بدأ للأسف منذ وقت طويل ومنذ ان تمّ إلغاء التوجهات الديمقراطية وتم اعتماد الحزب الواحد أو الحاكم الدكتاتور وقبل أن يبدأالإقتتال الفعلي بعد الربيع العربي الذي يحمله البعض مسؤولية الخراب.
من المهم ان لا نترحم على فاسدٍ أو دكتاتورٍ أو من كان مزيجاً منهما بعد أن أوصلوا بأعمالهم مواطني بلدانهم وأنفسهم إلى الثورة والحروب، بل من المهم أن نقارن بينهم وبين من لم يأخذ مسارهم، نعم، شتان بين من بنى بلده فأدخل الديمقراطية إلى عمليات البناء الاخرى لرفعة بلده ونهضته فشاركه الناس في بناء بلدهم سواءا كان من فعل ذلك حاكما أو نظاما عربيا أو في دول أخرى وشتان بين من دمّر بلده لأنه لم يفعل.
(*) من قصة مغناة للطفي بشناق كتبها مازن الشريف

