مجلس الأمة.. بضاعتكم رُدّت إليكم..!
قد لا أضيف جديدا إلى معلومات القارئ الكريم في وصفي لمجلس الأمة الأردني في الفقرتين اللاحقتين، ولكني أردتهما توطئة بسيطة أستهل بها هذا المقال.
فمجلس الأمة الذي يمثل السلطة التشريعية في المملكة الأردنية الهاشمية يتكون من مجلسي الأعيان والنواب. وأعضاءُ مجلس الأعيان يتم تعيينهم من الذوات الذين قدموا ( خدمات جليلة ) للوطن. ومعظمهم عملوا بوظائف عليا في سلك الدولة، وامتلكوا خبرات واسعة في إدارة شؤون الدولة .
أما مجلس النواب فيُنتخب أعضاؤه من مختلف طبقات الشعب، ويفترض بأن لا تتوفر لدى معظمهم الخبرة المطلوبة في إدارة شؤون الدولة، لعدم ممارستهم العمل العام. وإذا ما حدثت هفوات أو تجاوزات في سن القوانين والتشريعات من قبلهم، يعدّلها مجلس الأعيان صاحب الخبرات المتراكمة. ولذلك فهو يتحمل المسئولية الأولى عن أية مثالب ترد في قرارات مجلس النواب.
وبالعودة إلى أداء مجلس الأمة الحالي خلال السنوات الأخيرة وتفحص أعماله، نجد أنه ارتكب الكثير من الهفوات والتي سأبين بعضا منها في الأمثلة التالية:
– في عام 2012 تم إقرار مشروع قانون انتخاب متخلف، أشبه بقانون سابق أدى إلى شرذمة أبناء الوطن وحول نوابهم إلى نواب حارات، عجزوا عن السير بعملية الإصلاح والتنمية وتطوير المجتمعات المحلية. فرده جلالة الملك في شهر حزيران باعتباره يمثل إنتاجا مكررا لقانون الصوت الواحد سيء الذكر.
– في عام 2014 قُدم مشروع قانون الرواتب التقاعدية للأعيان والنواب، والذي أثار سخطا شعبيا عارما، بعد أن تساءل المواطنون كيف لمجلس الأمة أن يتقدم بهذا المشروع الذي يخالف كل الأعراف البرلمانية في العالم، لاسيما وأن الدولة تعاني من مديونية عالية وموازنة معجوزة ؟ ولهذا رد جلالة الملك هذا المشروع في شهر أيلول، متجاوبا مع إرادة الشعب ورافضا لما أقدمت عليه السلطة التشريعية بشقيها.
– في عام 2015 رفَضَ مجلس الأعيان اشتراط شهادة البكالوريوس لرؤساء البلديات التي أقرها مجلس النواب ( رغم أن الأخير تراجع عن قراره لاحقا ) بذريعة أنه قيد على حرية المواطنين، علما بأن رفع المستوى الثقافي لرؤساء البلديات يحسن من مستوى الإدارة في مجالسها المحلية. وقد يكون ذلك الرفض استباقيا لما يمكن أن يطلب كشرط ثقافي في نواب الأمة مستقبلا.
– في عام 2015 تم إقرار عدم منح المجالس المنتخبة في قانون اللامركزية ” الاستقلال المالي والإداري ” كما ورد بقرار المحكمة الدستورية في تحد صارخ للدستور. وإن كنت في هذه العجالة لا أناقش صحة إنشاء تلك المجالس أو عدمها، بل أناقش بعض ممارسات المجلس في سنّ وإقرار القوانين المختلفة، وخاصة هذا القانون الذي تضمن مخالفة دستورية واضحة نتيجة لتفسيرات تناقضه. إلا أن جلالة الملك ردّ هذا القانون أيضا في شهر تشرين أول الحالي، حماية للدستور الذي كسره مجلس الأمة.
فالهفوات سالفة الذكر والتي ترقى إلى مستوى الخطايا، كفيلة بأن تبين لنا حقيقة عمل مجلس الأمة. وتدلّ بأنه لا يعطي تلك القوانين حقها من التمحيص والدراسة، ولا يراعي في تطبيقها حرمة الدستور الذي يشكل منهجا لعمل جميع المؤسسات الرسمية. ورغم توفر لجنة قانونية في كلا المجلسين فلماذا يرتكب المجلس هذه الأخطاء القانونية ؟ وهل هي للمناكفة أم استغفالا للمواطنين ؟
يفترض في مجلس الأمة أن يكون حريصا على تطبيق مواد الدستور في مشاريع قراراته، وأن يراقب تطبيقها من قبل مختلف مؤسسات الدولة لا أن يكون متغاضيا أو خارقا لها، وخاصة عندا يتعلق الأمر بالمنافع الشخصية لأعضائه. ففي برلمانات العالم المحترمة لا تطبق القوانين والأنظمة التي يشرّعها المجلس على أعضائه، وإنما تطبق على أعضاء المجالس اللاحقة. وهو إجراء كان معمولا به في مجالسنا السابقة، قبل أن تمتد يد التخريب إلى قوانينها وأنظمتها الداخلية.
من الواضح أن أعضاء مجلس الأعيان ( مجلس الحكماء ) يسعون لزيادة مكتسباتهم، طالما أنهم غير قانعين بما حققوه من فوائد وامتيازات خلال خدمتهم السابقة. وأما النواب فإنهم يحاولون استنباط مختلف القوانين التي تضمن لهم استرداد ما أهدروه من نقود في حملاتهم الانتخابية، من خلال مقعد النيابة ( الاستثماري ) على حساب المواطنين.
هذه نماذج من ممارسات أعضاء مجلس الأمة الذي يفترض به أن يكون قدوة للآخرين في احترام الدستور، والحفاظ على المصلحة العامة ومصلحة المواطنين بعيدا عن المكاسب الشخصية غير المنصفة. وفي هذا السياق فقد استجاب جلالة الملك لضمير الشعب، ورد إلى أعضاء مجلس الأمة المحترمين بضاعتهم دون تسويق ..!

