صحيفة الكترونية اردنية شاملة

انتفاضة السكاكين وخطاب عباس ..!

0

انفجرت انتفاضة الشباب المقدسي المباركة في مطلع هذا الشهر، انتصارا للمسجد الأقصى الذي دنس ساحاته جنود الاحتلال الإسرائيلي. إنها بداية انتفاضة وطنية ثالثة تثأر للمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، مسرى ومعراج الرسول محمد إلى السماء عليه الصلاة والسلام. كما تجري الحكومة الإسرائيلية حفريات متواصلة تحت المسجد بحثا عن الهيكل المزعوم، قد تؤدي في يوم قادم إلى هدم أجزاء منه، دون أن يحرك ذلك مشاعر الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، لوقف الحفريات والاعتداء على حرمة الأقصى.
الشباب المقدسي هم من ينتصرون للمسجد الأقصى نيابة عن الأمتين الإسلامية والعربية، ويقدمون أرواحهم فداء لرمز المسلمين المقدس، بينما يكتفي المسئولون العرب بإطلاق تصريحات إعلامية خجولة، تحذر من تجاوز الخطوط الحمراء التي لا نعرف أبعادها، ولا تضع حدا للتحديات الإسرائيلية السافرة ضد مقدساتهم الإسلامية العظيمة.
أولئك الشباب وحدهم يواجهون الرصاص الإسرائيلي بصدورهم العارية، لا يملكون من السلاح إلا سكينا صغيرا، بينما ترقد السلطة الفلسطينية في روابي رام الله دون حراك، تبيعهم كلاما معسولا لا جدوى منه، ابتداء من رفع العلم الفلسطيني أمام مبنى الأمم المتحدة، إلى الاستغاثة بطلب الحماية الدولية والذهاب إلى المحكمة الجنائية، بينما تقوم الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية – حسب اعتراف رئيس السلطة – بقمع المقاومين في الضفة الغربية، ومنعهم من أداء واجباتهم الدينية والوطنية في مقاومة الاحتلال بالقوة.
يقول رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في خطاباته وتصريحاته الصحفية : أن يده ممدودة للإسرائيليين، ولا يريد التصعيد، ولن ينجر إلى العنف، وسيحرر فلسطين بالطرق السلمية وليس بغيرها. وفي معرض خطابه إلى الشعب الفلسطيني مساء يوم الأربعاء الموافق 14 / 10 / 2015 قال سيادته : أن الصمود الإعجازي ودماء الشهداء والجرحى هو ثمن الحرية التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى . . . وأن النصر قادم بإذن الله ولكن بعض الناس لا يعلمون.
وهنا أرجو يا سيادة الرئيس أن تسمح لي بتوجيه الأسئلة التالية إليك بعد أن أثارتني تصريحاتك أعلاه غير منتظر إجاباتك : 1. ماذا حققت السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، من إنجازات عملية لشعب فلسطين منذ عام 1974 وحتى الآن ؟ 2. ماذا قدمت اتفاقيات أوسلو – وأنت عرّابها – للقضية الفلسطينية منذ أول اجتماع لك مع أطرافها وحتى الآن ؟ 3. كيف يمكن أن تحقق المقاومة الشعبية السلمية التي تتبناها حقوق الفلسطينيين، بينما تقول في خطابك بأن قطعان المستوطنين يمارسون الإرهاب ضدهم وضد المقدسات والبيوت والأشجار؟ 4. ألم تتعب يدك الممدودة للإسرائيليين طيلة 22 عاما ولم تجد يدا إسرائيلية تمتد إليها إلا للمصافحات التلفزيونية الباهتة ؟ 5. ألا ترى بأن الدولة الفلسطينية الموعودة في اتفاقية أوسلو أصبحت حلما بعيد المنال وتم اختزالها بإمنيات الصلاة في المسجد الأقصى، إثر فشل جهودك السياسية في تحقيق السلام مع الإسرائيليين؟ بل كانت استجابتهم لك، الهجوم على قطاع غزة وإقامة الحواجز والجدران العازلة والمستوطنات، في أراضي الضفة الغربية تثبيتا للأمر الواقع ؟
ومع تقديري لصمود وتضحيات الشعب الفلسطيني أسأل سيادتك : ماذا تعني بقولك أن الحرية أصبحت قاب قوسين أو أدنى ؟ وإن كان ذلك صحيحا فما هو الموعد الزمني ( للقوسين أو أدنى ) لعلنا نلمس رياح الحرية التي تعدنا بها ؟ وهل لك أن تعلمنا بموعد النصر الذي تبشرنا بأنه قادم ولكن بعض الناس لا يعلمون ؟ قل لنا بصراحة سيادة الرئيس هل أنت مقتنع بوعودك الوردية التي تعلنها في خطاباتك المتلفزة، أم هي للاستهلاك المحلي تمدد فترة جلوسك على كرسي السلطة لأطول وقت ممكن ؟ وهل تجرؤ سيادتك على قيادة مجموعة من شعبك الفلسطيني للصلاة في المسجد الأقصى، كما فعل شارون عندما قاد مجموعة من جنوده ودخل بهم إلى باحات الأقصى عام 2000 ؟
أعترف لك سيادة الرئيس في جردة حساب بسيطة قد لا يصارحك بها أقرب معاونيك، بأن هناك إنجازات عديدة قامت بها القيادات الفلسطينية المتوارثة منذ عام 1974 وحتى الآن، منها على سبيل المثال: 1. ضياع ما يزيد على 41 عاما من عمر القضية الفلسطينية، دون إحراز تقدم مقنع يخدم الشعب الفلسطيني. 2. المساعدة بصورة غير مباشرة بتكريس الاحتلال وزيادة عدد المستوطنات، لفرض الأمر الواقع من خلال اتفاقية أوسلو المشئومة. وهي الاتفاقية التي منحت الإسرائيليين مكاسب عديدة، من أهمها اعترافكم بدولة إسرائيل، دون أن تظهر الدولة الفلسطينية الموعودة إلى حيز الوجود. 3. رفع العلم الفلسطيني أمام مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، دون نتائج عملية تنعكس على الشعب القابع تحت الاحتلال. 4. إيجاد رئيس صوري للسلطة الفلسطينية، يُستقبل في زيارات الدول الأخرى بحرس الشرف ومظاهر استعراضية لا قيمة لها على الصعيد الوطني. 5. انقسام الشعب الفلسطيني إلى فصيلين متناحرين احدهما في غزة والثاني في رام الله، دون الاتفاق على خطة إستراتيجية موحدة تفرز دولة فلسطينية ؟ 6. إكراه الشباب على الهجرة إلى خارج الأراضي الفلسطينية، من خلال الضغوطات الأمنية التي تمارس عليهم. ولكن هذه الإنجازات المحزنة لا تكتمل إلاّ بتحقيق الإنجاز الأكبر، ألا وهو الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية. فهل سيحقق قادة السلطة الفلسطينية هذا المطلب، الذي يصر عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ؟
انتفاضة الأقصى التي أشعل الشباب المقدسي فتيلها باللجوء إلى الطعن بالسكاكين، هي انتفاضة شريفة ترفض الخنوع والاستسلام للعدو، وتسبب له خسائر مادية ومعنوية كبيرة تدخل الرعب والتوتر في قلوب مواطنيه. كما أنها من جانب آخر تشجع الشباب في بقية المدن والقرى الفلسطينية على اللحاق بالانتفاضة المقدسية، والانتصار للمسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، لكي تبقي الحقوق الفلسطينية حية في الوجدان تتوارثها الأجيال اللاحقة.
وإذا عدنا قليلا إلى الوراء فسنجد أن طعن العدو المحتل بالسكين ليس جديدا في التاريخ الإسلامي الحديث. ففي عام 1800 كَلّفَ الوالي العثماني في حلب أحمد آغا، الشاب سليمان الحلبي بالعودة إلى مصر حيث كان يتلقى علومه الإسلامية في الأزهر الشريف، وطلب منه قتل الجنرال الفرنسي كليبر خليفة نابليون في قيادة القوات الفرنسية المحتلة في مصر. وفي طريق عودته إلى مصر اشترى سليمان سكينا من مدينة غزة ببضعة قروش لتنفيذ مهمته. وفي عصر يوم 15 حزيران تمكن سليمان من التسلل إلى حديقة القصر التي يتواجد بها كليبر في ذلك الحين، وطعنه بسكينه الغزّاوي 4 طعنات أودت بحياته. وفي احتفال رسمي كبير أجرته القوات الفرنسية في القاهرة، وُضع جثمان كليبر في تابوت من الرصاص ملفوف بالعلم الفرنسي، ووُضع فوقه السكين الذي طُعن به.
هذه الانتفاضة المباركة لابد لها وأن تلد آلاف السكاكين الفلسطينية، ليُطعن بها كل محتل يدنس أرض فلسطين ومقدساتها الدينية. إنها مبادرة جريئة ستنتج انتفاضة شاملة من كافة شباب المدن والقرى الفلسطينية، إذا لم تتوقف الممارسات الإرهابية الإسرائيلية ضد المواطنين والأماكن المقدسة. وحبذا لو أضيفت إليها عمليات انتحارية داخل الخط الأخضر، تضاعف من الرعب والخسائر البشرية بين صفوف المحتلين.
سيادة الرئيس محمود عباس الأكرم : أصبح من المؤكد أن حكومة وشعب إسرائيل لا يؤمنون بالسلام في فلسطين. وأن أهدافهم العليا تتمثل في مطلبهم بيهودية الدولة، وابتلاع الأراضي الفلسطينية، وطرد أهلها الأصليين خارج الحدود. وأما الاجتماعات السياسية التي تجري بين حين وآخر لإيجاد حل للقضية الفلسطينية فهي بلا جدوى لاصطدامها بالتعنت الإسرائيلي وغايته إضاعة الوقت. وعليه فلابد للسلطة الفلسطينية من السماح بالمقاومة الشعبية التي يتكفلها شباب فلسطين، ولكن دون قيود من الأجهزة الأمنية للسلطة. فالعدو لا يفهم إلا القوة التي تسبب له الخسائر المتواصلة بين مواطنيه، وتجبره على الرضوخ للحلول السلمية.
ولا شك بأن الدعم المالي والسياسي والإعلامي للقضية الفلسطينية، إذا ما تم بصورة مدروسة من قبل الدول العربية والإسلامية، سيكون له دور كبير في نزع فتيل الاصطدامات، وتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني في جو من السلام والاستقرار.
في الختام لا يسعني إلا أن أترحم على شهداء الأرض المقدسة، مع تمنياتي بالشفاء العاجل للجرحى والحرية للأسرى، كما أبارك للشباب المقدسيين كفاحهم الصادق وأيديهم التي تشهر سكاكين الثأر والشرف من أجل عزة الدين والوطن ” وإن ينصركم الله فلا غالب لكم ” صدق الله العظيم.
التاريخ : 17 / 10 / 2015

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.