ليس بهذا تُهزم داعش
تناوب زعماء العالم ومنهم الزعماء العرب على اعلان الحرب على داعش من على منبر الامم المتحدة ، وعقدت قمة عالمية في نيويورك لنفس الغرض ، خلال هذا الكرنفال السياسي ألقى الزعماء كلمات امتلأت بالوعظ والإرشاد جنبا الى جنب مع الوعيد بالويل والثبور للارهاب ولداعش على وجه الخصوص ، ولو سألت سورياً يجلس مع زوجته واطفاله على قارعة طرق اللجوء في اوروبا عن رأيه بما يجري في الامم المتحدة لاشاح بوجهه قائلا ( أخي اتركني بهمي مشان الله ).
ألقى اوباما خطابا اخلاقيا تبشيريا وكأنه فولتير اوروسو وليس رئيس أقوى دولة في العالم من واجبها ومسؤوليتها العمل وليس القول ، متجاهلا حقيقة انه لولا ثورة الشعب الفرنسي لتوارت افكار فولتير وروسو عن صفحات الفكر السياسي الإنساني ، اما بوتين فقد بشر بتوسيع دائرة النار المحدقة بالسوريين وقد سبقته الى شواطئهم طائراته وبوارجه ودباباته ، ملخصا فكرته في الحل بدعوة العالم الى ( دعم براميل الأسد ضد سكاكين داعش ) وهو لا يريد ان يرى ان ال ١٠٠ الف طفل سوري الذين حملهم ذويهم في قوارب الموت الى شواطئ اللجوء في اوروبا ، بحثا عن ملاذ امن ، انهم هم انفسهم الذين هربوا من طائرات الأسد وبراميله الى تركيا منذ سنوات وقبل ظهور داعش بوقت طويل ، انهم ( اللاجئون في المخيمات التركية ) الذين ضاقت بهم الدنيا .
لا تهزم داعش بخطابات الوعظ والإرشاد ولا بالاحتلالات الاجنبية للأرض العربية ، سواء كانت روسية او امريكية ، تركية او إيرانية ، انما باقامة نموذج الدولة الحديثة في كل قطر عربي ، والدعوة اليها في كل بلد يشهد حربا ونزاعا ، دولة العدالة والحرية والكرامة الخالية من الفساد والاستعباد . كنت أتمنى ان ارى القادة العرب وهم يقدمون للعالم من على منبر الامم المتحدة مشروعات حضارية لبناء دولهم على أسس ديموقراطية ، جوهرها المواطنة وحفظ حقوق الانسان الطبيعية والدينية والسياسية ، وفي مقدمتها حقه في اقامة مؤسسات منتخبة انتخابا حرا تمثل الشعب وتدافع عن حرياته ومصالحه .
كنت أتمنى ان ارى الزعماء العرب يعلنون من على منبر الامم المتحدة عن دعوة رجال الفكر الدستوري والمتخصصون في مجالات حقوق الانسان في بلادهم الى خلوات توضع فيها القواعد الدستورية والقانونية والسياسية والإجرائية من اجل اقامة انظمة حديثة في العالم العربي تقوم على الديموقراطية والحرية والمواطنة المتساوية في الحقوق والفرص وان تتحول هذه القواعد الى مشروع وطني وقومي يجفف مستنقعات التطرف والارهاب والكراهية وثقافة الانتقام . في العالم العربي صف طويل من رجال الفقه الدستوري والسياسي الذين تم تهميشهم واضطهادهم . المفكرون والحقوقيون العرب، في الاربعينيات من القرن الماضي ، شاركوا في وضع ( الميثاق العالمي لحقوق الانسان ) ، وكان في لجنة صياغته كل من محمود عزمي وهو مسلم ، وشارل مالك وهو مسيحي ، وعزيزة حسين التي شاركت ايضا في وضع (الاتفاقية الدولية لالغاء التمييز ضد المرأة ) . وذلك الى جانب اشخاص يمثلون مختلف الديانات والثقافات والحضارات . بمثل هذا المشروع الحضاري النهضوي تغلق كل الطرق بوجه الارهاب .
لا تهزم داعش بفتاوى جديدة لرجال الدين ولا برفع شعارات الاسلام المعتدل ، هذه وان كانت ضرورية لكنها ليست الأهم . الأهم تقديم رسالة بالحرية والعدالة وبإقامة دولة المواطنة … لا نجاح في مواجهة داعش وهذا الفكر المتفشي في التطرف الديني الا بوجود انظمة ديموقراطية مؤسسية خاضعة للدستور والقوانين ان خالفها احد بعمل او بفكر او برنامج متطرف ينال جزاءه تحت مظلة قضاء مستقل .
تهزم داعش عندما ينتظم السوريين كسوريين وفي مقدمتهم (السنة ) في حرب لا ترفع شعار الحرب على الارهاب والديكتاتورية فقط إنما الدفاع عن مشروع سوريا الحديثة الحرة والديموقراطية . والامر ينطبق على العراق وعلى كل بلد عربي ابتلي بحروب الفتنة والطوائف . الشعوب العربية تنتصر على داعش ( التي تتمدد في الخريطة العربية وفي العقول الضيقة واليائسة ) عندما ترى في الأفق بديلا يستحق النضال والموت من اجله ، لانه ومهما وضع من عناوين للحروب الأهلية العربية فان المحرك القوي لها هو الصراع الذي فجره الربيع العربي حول ( هوية الدول المنشودة ) التي ستقوم على أنقاض سايكس بيكو .
داعش تريد دولة تنتمي لقرون التخلف والفتن والقتل بالجملة فإبادة الاخرين وليس اقصاءهم فقط هو مسارها . وخصم داعش في دمشق يريد ابقاء دولة العائلة والطائفة وتوارث الحكم وكأن سوريا ملك عائلي له تحت شعار ” الأسد او احراق البلد “. والحكم الطائفي في بغداد لم يكتف فقط بنسف العملية السياسية بين مكونات العراقيين بجرة قلم ، انما أغلق بغداد بوجه الهاربين من داعش لأنهم من الانبار ومن السنة ، في الوقت الذي فتح ابوابها للروس والايرانيين والامريكيين … بدون عملية سياسية جديدة تقوم على العراق الحر ، عراق للعراقيين سواء بسواء فان هزيمة داعش تصبح أمرا عسيرا .
قبل ان يرتدي القادة العرب (خوذات الحرب )على الارهاب عليهم ان يرفعوا رؤوس شعوبهم لكي تكون جاهزة لارتداء (الخوذ ) وهي تؤمن بانها تخوض حربا للدفاع عن اوطان حرة يعيش فيها المواطن سيدا ، حرا ، كريما في ظل انظمة دستورية حقيقية.

