غمامة رمادية في سماء قاسيون
في حديثه لأحدى المحطات الفضائية قبل بضعة أشهر صرح سيادة الرئيس بشار الأسد بأن ” سوريا لمن يدافع عنها ” وهذه عبارة بليغة تستحق التوقف عندها والتفكير بها مليا على ضوء الأوضاع الراهنة في سوريا العزيزة.
وعودة إلى التاريخ القريب، فمن المعروف أن سوريا خضعت للاستعمار الفرنسي لمدة 26 عاما ابتداء من معركة ميسلون عام 1920 وحتى تحريرها ، وجلاء القوات الفرنسية عنها عام 1946 بجهود رجالها الوطنيين.
في عام 1971 عُقدت اتفاقية بين الاتحاد السوفيتي آنذاك والحكومة السورية تحت حكم الرئيس السابق حافظ الأسد، مُنح الاتحاد السوفيتي بموجبها قاعدة بحرية في طرطوس على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وبقيت هذه القاعدة على صغر مساحتها تمثل رمزا لنفوذ موسكو في منطقة الشرق الأوسط.
ورغم تفكك الاتحاد السوفيتي في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، إلا أن روسيا وريثة ذلك الاتحاد رفضت التخلي عن تلك القاعدة وما زالت تتمسك بها ، لكونها تشكل نقطة الانتشار الوحيدة للأسطول الروسي على سواحل البحر الأبيض المتوسط. كما أن لها رمزية خاصة تعود إلى العلاقات التاريخية التي تربط بين موسكو ودمشق منذ عقود سابقة.
قبل بضعة أسابيع أعلنت وسائل الإعلام الأجنبية عن تواجد قوات عسكرية روسية في سوريا، إلا أن الأخيرة أوضحت بأن تلك القوات عبارة عن مدرِبين تم استقدامهم لرفع كفاءة الجيش السوري. ولكن بعد أيام طلبت سوريا من السلطات الروسية إرسال قوات عسكرية للمساعدة في الدفاع عن سوريا. وبدأت الطائرات المقاتلة والجنود والمعدات الثقيلة المتطورة تصل إلى القاعدة الجوية الجديدة. وفي هذا الساق أعلن أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله عن ترحيبه بإرسال معدات وقوات عسكرية روسية للدفاع عن سوريا، بعد أن أصيب مقاتلوه بخسائر كبيرة على الأراضي السورية.
الكاتب والصديق ناهض حتر نشر مقالا على أحد المواقع الإلكترونية بتاريخ 24 / 9 / 2015 ( لم يدم طويلا على الموقع ) تحت عنوان ” فرصتنا ” مرحبا ومبتهجا بالتدخل الروسي في سوريا، أقتبس منه ما يلي: ” بدأت العمليات العسكرية الروسية – السورية لاستئصال الإرهاب من سوريا، الروس يعيدون هيكلة وتدريب القوات المسلحة السورية، وتجهيزها بأحدث المعدات، ودعمها بالغطاء الجوي والدفاعات الأرضية والأنظمة الصاروخية. سوريا تنتصر، سوريا تتغير، ولكنها ستظل سوريا الأسد، الموحدة، الواحدة، الأقوى من أي وقت
مضى، أمامنا فرصة للمشاركة . . . “. ثم يعدد الكاتب ما يمكن قطفه من منافع بعد أن تحقق القوات الروسية مهامها المطلوبة مثل: القضاء على المسلحين، وحماية الحدود الأردنية، وإعادة 700 ألف لاجئ إلى درعا، وإجراء التنسيق الضروري بين الجهات المعنية . . إلى آخر الأسطوانة المتفائلة.
وبالتأكيد نحن نشارك الكاتب في أمنياته بأن تنتصر سوريا، وأن تبقى موحدة، وأن تظل سوريا العربية وليس سوريا الأسد، وأن يعم السلام في أرجائها، ويعود المهجرين إلى وطنهم ولكن: لماذا يستدعي النظام السوري القوات الروسية لاستئصال الإرهاب من سوريا، طالما أن تعداد القوات السورية يتجاوز 350 ألف مقاتل بأسلحتهم الخفيفة والثقيلة، مدعومين بسلاح جوي يلقي البراميل المتفجرة على المدن والقرى، علاوة على فيلق القدس الإيراني ومقاتلي حزب الله ؟ فهل عجزت القوات السورية عن حماية الوطن ليطلب سيادة الرئيس مساعدة دولة أجنبية، للقتال نيابة عن نظام المقاومة والممانعة، أم أن إرادة القتال غير متوفرة لدى أفراد الجيش السوري ؟
ألا يعتبر قدوم القوات الروسية انتهاكا للسيادة السورية التي طالما تغنى بها سيادته ؟ ألا يعتبر تواجد القوات الأجنبية على أرض سوريا استعمارا جديدا بدعوة رسمية من النظام ؟ ولنفرض أن الروس حرروا سوريا من الإرهابيين، فهل سيحملون متاعهم ويرحلون في اليوم التالي دون أن يقبضوا الثمن ؟ وأخيرا هل هناك توافقات بين الروس والأمريكان ليغرق الروس في المستنقع السوري من جديد وبما لا يُعرف حدوده ونهايته ؟
الدول الكبرى لها مصالحها الإستراتيجية وتعمل على حمايتها وتوسيع مناطق نفوذها. وروسيا لا تشذ عن هذه القاعدة ولا تقدم كل هذا الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي من أجل عيون بشار، بل من أجل الحفاظ على قاعدتيها البحرية والجوية في اللاذقية، والتي تطل من خلالهما على المنطقة وعلى المياه الدافئة في البحر الأبيض المتوسط، والذي يمكن أن يتحقق بالحفاظ على النظام السوري وليس على شخص الرئيس بشار بالتحديد.
وهنا أود أن أسأل الأستاذ ناهض حتر: لو أن إحدى دول المنطقة طلبت من بريطانيا أو أمريكيا أو فرنسا إرسال قوات عسكرية لمشاركتها في قتال داخلي، فهل ترحب بها كما رحبت بالقوات الروسية أم تعتبر ذلك خيانة وطنية ؟ ثم ماذا تقول عن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ومحادثاته مع الرئيس بوتين ؟ أليست هذه حلقة مكملة لمطلب الرئيس السوري بشار الأسد في إرسال القوات الروسية إليه، والاطمئنان في النهاية لاستمرارية تسكين خط وقف إطلاق النار في جبهة الجولان ؟
أعتقد أن إقدام الأسد على هذا العمل الخطير قد جلب استعمارا روسيا جديدا ودخل سوريا من الباب الواسع بتذكرة رسمية يسجلها تاريخ البلاد. وما من شك بأن كل عربي شريف يتمنى أن تقضي سوريا على كل المنظمات الإرهابية، وأن تحافظ على وحدتها، وأن يعود المهجرين إلى وطنهم. ولكن ليس تحت حراب القوات الروسية وحزب الله وفيلق الولي الفقيه، بل بجهود القوات المسلحة السورية والمخلصين من أبناء الشعب السوري إذا فشلت الحلول السياسية.
وعودة إلى تصريح سيادته في مطلع هذا المقال، فبعد أن ظهر المشهد على حقيقته واتضحت الصورة الغامضة لمن يدافع عن سوريا عمليا على الأرض ، فأسأل سيادته كيف سيوزع الكعكة السورية على المدافعين: روسيا وإيران وحزب الله ؟ هل تكون حسب عدد السكان أم حسب المساهمات العسكرية على الأرض ؟
أعرف مسبقا بأن عشاق الأسد وشبيحته من الأردنيين الأكارم، سيستلون أقلامهم للدفاع عن سيدهم، وإيجاد المبررات التي تكّفر عن خطيئة ما أقدم عليه في دعوة القوات الروسية لاستعمار سوريا، وتكرار اسطوانتهم المعروفة بوجود مؤامرات عربية ودولية ضد سوريا، تفرض عليه الاستعانة بالقوات الأجنبية انطلاقا من شعارهم المشهور ” الغاية تبرر الوسيلة “.
وأعرف أيضا بأنهم سينكرون الحقائق المذكورة بأعلاه، وسيدّعون بأن لا بديل لبشار الأسد – الزعيم الأوحد – بين الثلاثة وعشرين مليون سوري إلا رؤساء المنظمات الإرهابية. ولكنهم في الحقيقة يتعامون عن الواقع بأن ” أسدهم فقد أنيابه ” وعجز عن تحرير بلاده من الإرهابيين وهو من كان سببا في تواجدهم، فلجأ إلى الحضن الروسي البارد لطلب المساعدة ” كمن ينتقل من تحت الدلف لتحت المزراب ” كما يقول المثل الشعبي.
يقول الجنرال أيزنهاور رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في عقد الخمسينات من القرن الماضي: ” إن السياسات الطيبة ليست ضمانا أكيدا للنجاح، ولكن السياسات السيئة ضمانا محققا للفشل “. فهل ينطبق هذا القول على الحالة السورية الراهنة ؟
بصراحة . . أخشى أن تكون سوريا العربية قد تحولت إلى مستعمرة روسية بدعوة طوعية وملحّة من النظام الحاكم. وأكاد أن أشاهد بحزن عميق غمامة رمادية في سماء قاسيون، بعد أن اختطف النسر ذو الرأسين ” السيادة الوطنية السورية ” رغم تخرصات المستأسدين الأردنيين ..!

