صحيفة الكترونية اردنية شاملة

فليرحل الشعب وليهنأ الرئيس!

0

لا أعرف ما هي مشاعر سيادة الرئيس بشار الأسد، وهو يشاهد على شاشات المحطات الفضائية مئات الآلاف من أبناء الشعب السوري، وهم يحملون أطفالهم بين أيديهم يتعثرون بهم أحيانا ليعبروا منافذ الخطر البرية والبحرية، يبحثون عن ملجأ يؤيهم من البراميل المتفجرة ويحميهم من القتل والدمار.
القتال في سوريا مضى عليه أكثر من أربع سنوات دون حسم، وما زالت طاحونة الموت تفعل فعلها ليل نهار بالأجساد البشرية، لتكون النتيجة هذا التهجير الجماعي للسكان خارج البلاد أو في الأرياف بعيدا عن منازلهم داخل البلاد ، ولم يعد النظام يسيطر جغرافيا إلا على ربع البلاد تاركا بقيتها لتصبح مسرحا لجماعات إرهابية متعددة .
من يستمع ويشاهد سيادة الرئيس وهو يتحدث بكل ثقة إلى بعض الفضائيات التي تدور في فلكه دون أن تظهر على وجهه مسحة حزن ، يعتقد أن ما يدور من قتل وتهجير للمواطنين وتدمير للمعالم الأثرية والبنية التحتية لا يحدث في سوريا وإنما يحدث في كوكب آخر .
صورة الطفل السوري (إيلان) وهو مسجى على أحد الشواطئ التركية بعد سقوطه من بين يدي والده وغرقه في مياه البحر ، هزت ضمائر المسئولين في دول العالم أجمع ، وقامت حكومات البعض منها بفتح حدودها لاستقبال عشرات الآلاف من اللاجئين السورين ، مرحبة بهم ومتجاوزة عن تهم الإرهاب التي كانت تلصق بالعرب والمسلين ، لأنه انحازت إلى مسئولياتها الإنسانية والأخلاقية . من بين تلك الدول : ألمانيا ، النمسا ، فرنسا ، اليونان ، بريطانيا ، أمريكا ، أستراليا ، والبرازيل . وكانت ثلاث دول في المنطقة هي الأردن ولبنان وتركيا سباقة في هذا المجال وتحملت فوق طاقتها دون منة على أحد .
الأمر المحزن في هذا الموضوع أنه هذا لم يحرك ضمير سيادة الرئيس بشار تجاه مأساة الشعب المهجّر ، وراح يقدم الشكر إلى نظام الملالي في إيران وحزب الله اللبناني ، لما يقدموه له من عون عسكري يساعده في قتل الشعب السوري وتهجيره خارج البلاد بمنطق طائفي أو خلافه . ثم يفتخر سيادته بالموقف السياسي والعسكري لروسيا لعدم تخليها عنه في هذه الظروف الصعبة، لإبقائه جاثما على صدر السوريين كرد جميل لمنحها روسيا قاعدتين عسكريتين داخل البلاد .
أحسد الرئيس بشار على مشاعره الحديدية والتي لم تنحني أمام كل تلك المآسي التي حلت وما زالت تحل بالشعب السوري – ولا أقول شعبه – فلو كان ذلك واردا في اعتباره لتحرك ضميره وكان له تصرف آخر ينقذ البلاد من مآسيها الكبيرة .
قبل بضعة أعوام استقال وزير الدفاع الألماني ورئيس أركان جيشه لأن الطائرات الألمانية المشاركة في عمليات حلف الناتو في أفغانستان ، قصفت بطريق الخطأ عددا من المدنيين الأفغان دون أن تكون للرجلين علاقة مباشرة في إصدار الأوامر لتلك الطائرات
بإجراء القصف . إلا أن ضميريهما شعرا بجزء من الذنب الأخلاقي لتلك الحادثة ، فأوقعا العقاب على نفسيهما ودفعا الثمن بطواعية خالصة . فكيف برئيس يصدر الأوامر لطائراته بإلقاء البراميل المتفجرة والصواريخ مدنيين يدعي أنهم شعبه ، وهو يعلم أن تلك الأسلحة هي أسلحة منطقة وليست أسلحة دقيقة التصويب ولا تفرق بين إرهابي ومواطن مسالم أو طفل في الحضانة ؟
قد يقول بعض المتعاطفين مع سيادته بأنه يحارب الإرهابيين ، فهل مئات الآلاف من السوريين الذين يغادرون منازلهم وأملاكهم مكرهين إلى المجهول جميعهم إرهابيين ؟ وإن كان المدّعون يزعمون أن لا بديل للأسد في حال غيابه عن السلطة فأقول لهم : عندما توفي الرسول عليه السلام وظهر التردد والوجوم على بعض المسلمين ، خاطبهم الخليفة أبو بكر رضي الله عنه قائلا : ” من كان يعبد محمدا فمحمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فالله حي لا يموت “. فهل عجزت سوريا التي شهدت الحضارتين الأموية والعباسية قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنا عن إيجاد البديل للزعيم الأوحد ؟ أليس من الأفضل إن كان سيادته يخشى على ضياع سوريا أن يرأف بحال ذلك الشعب العريق ، الذي تحول إلى شعب بائس يهيم على وجهه في أرجاء الدنيا ويترجل عن كرسيه ، ليسلم مسئولية الوطن إلى مجلس الشعب كي يجد البديل الذي يعيد المهجرين إلى موطنهم ويحقق الأمن والاستقرار في البلاد ؟
في مطلع ستينات القرن الماضي أذكر بأن مطربة سورية اسمها لودا شامية كانت تطل على المشاهدين من خلال شاشة التلفزيون السوري ، لتشدو بأغنية وطنية يقول في مطلعها :
من قاسيون أطل يا وطني * * * فأرى دمشق تعانق السحبا
ولو قدر لتلك المطربة إن كانت على قيد الحياة أن تعيد أغنيتها هذا اليوم ، فأعتقد أنها ستقول بحزن عميق :
من قاسيون أطل يا وطني * * * فأرى دمشق تعايش العجبا
من الواضح أن سيادة الرئيس لا يهمه سلامة الشعب السوري طالما أنه يتربع على عرش الرئاسة ، وحوله وليد المعلم وفيصل مقداد وبثينه شعبان وبشار الجعفري . فليرحل كل السوريين الأحياء إلى مختلف أصقاع الأرض ، وليبقى الرئيس وحاشيته في قصورهم بالقرداحه يحكمون سكان القبور .
أعرف سلفا بأن حَمَلة المباخر من الأردنيين عشاق الرئيس السوري بشار الأسد ، والذين يتعامون عن أفعاله تجاه شعب سوريا ويمجدّون قيادته الفذّة ، سيستلون أقلامهم لينقضوا زورا ما جاء بأعلاه ، منادين بشعار خارج إطار الزمن : ” فليرحل الشعب وليهنأ الرئيس “. ولكن التاريخ لا يرحم وسيسجل وقائعه بأمانة ، فالزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض رغم أنف الظالمين .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.