صحيفة الكترونية اردنية شاملة

شعب غير ناضج.. نواب غير مؤهلين!!

0
اشكر الأصدقاء والقراء الذين هاتفوني خلال الايام الماضية لمناقشتي فيما كتبت عن قانون الانتخاب ، وأشكر الذين كتبوا تعليقات مختصرة على المقالتين في مواقع التواصل الاجتماعي . وكل هذه الردود والاراء التي قرأتها وسمعتها تجعلني متمسكا بما طرحت من افكار ومفاهيم حول قانون الانتخاب المطلوب الذي يؤدي الى حكومة برلمانية والى جانبها معارضة صلبة . وما يدفعني الى الاسترسال في الكتابة قول رئيس الحكومة عندما طرح مشروع اللامركزية على النواب ، بان لا حوار مع المجتمع حول الموضوع ، لان حوارات سابقة تمت خلال السنوات الماضية ( على حد قوله ) . وطريقة وأسلوب طرح قانون الانتخاب يأتي في اطار هذا الادعاء . وما يثير التساؤل ايضا ان يتم تمرير قانونين من اهم القوانين الاساسية ( بعد الدستور ) وهما اللامركزية و الانتخاب في دورة استثنائية ..الا تستحق مثل هذه القوانين دورة عادية توفر الوقت للنواب لدراسته والاستشارة فيه والرجوع الى الخبراء وممثلي الراي العام للاطلاع على الاّراء والأفكار والاعتراضات من اردنيين سيجدون انفسهم يعيشون في ظل هذه القوانين لسنوات طويلة !.

يقول وزير الشؤون السياسية بان وضع مشروع القانون استغرق ١٨ شهرا ( طبعا بعيداً عن الأعين ) مع ذلك اذا كان اعداده يستغرق كل هذا الوقت اليس من الغريب ان يتم حشر النواب في ايام معدودة لمناقشته وإقراره بإضافته متأخرا كملحق في دورة استثنائية كانت على وشك الانتهاء !!!. لقد استغرقت مناقشات آخر قانون انتخابات في المملكة المغربية ٨ اشهر وهم هناك لم يكن عندهم مشكلة الصوت الواحد او العشرة أصوات ، ولا مسألة الدوائر الكبيرة والصغيرة . وما هو اكثر غرابة ان تكون نتيجة هذه ال( ١٨ شهرا ) التي ذكرها الوزير تقديم نسخة لمشروع قانون أغفل الكثير الكثير مما يجب ان يدون في قوانين الانتخابات أسوة بغيرها في دول العالم . الا يستحق المال السياسي ( على سبيل المثال ) نصوصا تفصيلية في القانون حول الإجراءات والعقوبات وتسلسلها الخ .
الا يستحق هذا الشعب ان يرى في (قانونكم الاصلاحي) ما هو موجود في قوانين الدول الاخرى التي تعالج كل كبيرة وصغيرة ولا تترك مجالا لمن يشترى الأصوات او يرغم الناخبين بالوعود والوعيد او يعبث في الساحة الانتخابية بجرائم تشوه وتزور الارادة الشعبية . الا يستحق الاردنيون ان توضحوا لهم كل ما يتعلق بالقائمة النسبية المفتوحة ووفق أية صيغة دولية سيتم في حساب الأصوات .
الم تجدوا ان من المهم بيان موقف الحكومة الواضح وفي متن القانون من مسالة اقامة كتل نيابية برامجية ومن خلال مواد صريحة . و فيما اذا كان سيتواصل حظر المناصب الوزارية على النواب او ان هذا الحظر سيرفع . ( بالمناسبة قانون الانتخاب التونسي يحظر على النواب المنصب الوزاري بنص صريح لكن هذا لا يعني ان الحكومة التونسية غير حزبية نيابية فالتحالف الحزبي النيابي الذي يشكل كتلة الأغلبية في البرلمان هو الذي شكل الحكومة وهو الذي يطيح بها ، اي انها حكومة نيابية ) . اليس من حق الاردنيين ان يعرفوا بكل وضوح وشفافية الاجابات على مثل هذه القضايا المفصلية بعد ان شبعوا من الشعارات والوعود الرسمية القائلة بان الهدف من الاصلاح الذي بدأ ٢٠١١ هو وصول كتل برامجية من الوسط واليسار واليمين الى مجلس النواب وتشكيل حكومة نيابية . اين قانون الانتخاب من هذا ؟. وأين هو من ما ورد من تفصيلات في الاوراق النقاشية الملكية للوصول الى هذاالهدف؟.
في ظل غياب المناخ الديموقراطي وبوجود قوانين انتخاب وأحزاب غير عصريين ، تكرست مفاهيم تسئ الى الشعب الاردني ، مفاهيم تسللت الى وعي الشباب وغير الشباب تزعم بان ( الشعب غير ناضج ) وبان ( نواب الامة غير مؤهلين ). والحقيقة ان قانوني الاحزاب والانتخاب هما الغير ناضجين ، بل انهما خارج اطار القوانين الديموقراطية الحقيقية ، ومن الظلم والتجني الكبيرين تداول مفهوم ان نواب الامة غير مؤهلين ، ما هو غير مؤهل المشهد السياسي الذي ينتجه قانون الانتخاب وأخيه قانون الاحزاب وكذلك النظام الداخلي للمجلس . غالبية من يصل – ولا أقول جميعهم – الى مجلس النواب هم من ابناء الاردن المؤهلين ..هم اما أطباء ومهندسين او ضباط متقاعدين او رجال اعمال وأكاديميين ، لكن ماذا يفعلون بعلمهم وقناعاتهم عندما يجد كل واحد منهم نفسه يعمل وسط اجواء بعيدة عن العمل النيابي الكتلوي الذي يكتسب شرعيته وصلابته من الثقة الشعبية ببرامجه التي ينالهامن خلال صناديق الاقتراع .
واذا كان هناك غياب للنضوج والوعي السياسي بين الشعب الاردني – كما يقول البعض – فهو نتيجة مباشرة لمناخ غير سليم استمر طويلا في ظل قوانين انتخاب أبعدت الشعب عن العمل العام وقطعت جسور الثقة بينه وبين السياسيين والنواب والاحزاب . الوعي غير الناضج هو نتاج افكار غير ناضجة وقوانين غير صحيحة تولد سياسات لا تعرف رأسها من قدميها وتبث وعيا خاطئا تغيب فيه الحقائق وتتوطن الإشاعات . الشعب يكتسب الوعي الديموقراطي وينضج في ممارساته من خلال التعلم من ما يدور حوله في المجتمع السياسي وبالتحديد من اداء مجلس النواب والحكومة ، وما يدور من سجالات بينهما( في حالة وجود حكومة برلمانية ومعارضة ) . كما يتعلم من ما يدور في المجتمع من حوارات ومواقف من هذه السجالات النيابية الحكومية من خلال نشرها في اعلام حر وصحافة مستقلة ، تماما مثلما يكتسب الطلاب التعليم من المنهاج الموضوع بين يديه واساليب التدريس ومن قدرة الادارة على اقامة الأجواء التربوية السليمة .
ومرة اخرى أكرر ما ذكرته في مقالي السابق ، وهو ان الصاق وصف ( شعب غير ناضج ) و( شعب غير مؤهل ) بالأردنيين فيها نظرة احتقار للذات وفيها رائحة عنصرية لا مكان لها في الثقافة البشرية ولا في الحقوق الاساسية للإنسان ، ولو اريد تطبيق مثل هذه المفاهيم المغلوطة على الشعوب الاخرى لما كانت الهند ديموقراطية منذ ٦٧ عاما ولما تحول غاندي الى صف الرجال العظماء ، ولما كانت الديموقراطية تصلح لثلثي شعوب العالم في اسيا وإفريقيا وامريكا اللاتينية .
انبذوا المفاهيم الخاطئة ( عن عدم النضوج وعن التدرج السلحفائي ) التي لا ينبت في ظلها غير التخلف والتمزق والثقافات الجزئية المتخلفة واطلبوا القوانين التي تبث فيكم مشاعر الحرية والكرامة والعدالة ، المشاعر التي تشكل الدافع الاقوى للعمل والنهوض والإنتاج والتفوق .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.