قانون الانتخاب : يكفينا تدرج ولف ودوران
في مقالتي السابقة بعنوان ” قانون انتخاب جيد لكنه قديم وغير عصري ” سجلت بعض الاّراء التي تجعلني بعيدا عن المتحمسين له من خارج الحكومة ، وخاصة من اليساريين الذين لا يملون من عزف ( نوتة النسبية ) حتى وان كان العزف رتيب وممل ، فالنسبية تبني على ارضية قوائم برامجية وليس على قوائم ( حك لي تا أحكلك ) و ( بيش ..وبكم ) . وأعيد القراء الأعزاء الذين تساءلوا في تعليقاتهم عن الأسباب التي تدعوني لمعارضة ونقد مشروع القانون الجديد الى مقالتي المذكورة راجيا ان يقرأوها ولا يتوقفوا عند العنوان والملخص .
ولأهمية قانون الانتخاب في حاضر ومستقبل الشعب الاردني اجد لزاماً ان اوضح موقفي بقدر ما أستطيع حتى لا يفهم باني أعارض لمجرد المعارضة ، فأنا لا انتمي لأي حزب وتيار او ديوان سياسي ، انما لا أتردد في قول رأئي عندما يتعلق الامر بالاردن والاردنيين ، وهي عادة ورثتها من سيرة مهنية طويلة في مجال الصحافة والكتابة والتحليل والاهتمام المتصل بقضية تطور النظام الاردني نحو الديموقراطية الحقيقية .
أعارض المشروع الجديد للانتخاب انطلاقا من مبدأ اساسي في الفكر الديموقراطي يقول ( بان تقييم مكانة قانون الانتخاب من الديموقراطية هو في نتائجه ، فاذا ادى من خلال الانتخابات الى وصول كتلة اغلبية تمثل حزب او تيار برامجي قادر على تشكيل حكومة بمفرده ، او بالتحالف مع غيره ، والى جانب الأغلبية تصل كتلة معارضة صلبة ببرنامج منافس ، فان القانون يكون ديموقراطيا وعصريا ) وبذلك تتحقق الحقوق الاساسية للاردنيين القائمة على ان الشعب مصدر السلطات ، و بدونها تكون ( اي ديموقراطية ضحك على الذقون ).
اي قانون انتخاب لا يقود الى هذه النتيجة على صعيد مجلس النواب والحكومة هو غير ديموقراطي وغير عصري ( اي متخلف ) مهما زين (بمكياجات ) وأصبغة واقنعة مستعارة ويصلح فيه قول المتنبي ” ومن هواي لكل صدق في قوله وعادته – رغبت عن شعر في الرأس مكذوب ” .. كفانا قوانين مكذوبة !.
وفي العلوم السياسية حكمة تقول : الفكر يصنع القوانين والقوانين تصنع السياسات ، فالفكر الجيد يصنع قوانين عادلة وسياسات جيدة اما الفكر الردئ فيفعل العكس . كل قوانين الانتخابات منذ هبة نيسان عام ٨٩ بنيت على فكرة واحدة لم تتغير بقصد تحقيق هدفين : ١- عدم وصول كتلة اغلبية صلبة وبرامجية لمجلس النواب . ٢- عدم وصول كتلة معارضة برامجية وصلبة ايضا . وهذا ينطبق على مشروع قانون النسور . اما الحجج التي تختبئ خلف هذه السياسة فهي القول ( ان الأحزاب ضعيفة ، وبضرورة التدرج خطوة خطوة نحو حكومة اغلبية نيابية ، لان الشعب على حد زعم هذا الادعاء غير جاهز للديموقراطية ، ولا تعنيه عملية التناوب في تشكيل الحكومات وان والوقت مبكر على التعددية السياسية ).
ساستعرض هذه الحجج الواهية باختصار :. الحزبية ضعيفة لان الافكار التي تطبخ قوانين الانتخاب تريد تكريس هذا الضعف . الأحزاب تقوى في ظل القوانين الجيدة والمناخ الديموقراطي السليم وفي اطار الانظمة واللوائح التي تشجع بناء التحالفات والبرامج في الانتخابات . من الظلم القول بان عدم قيام احزاب قوية يرجع الى ان فكرة الحزبية غريبة على الاردنيين وبانهم شعب عشائري . فالأحزاب وجدت مع نشوء الإمارة ، واول حكومة في تاريخ الدولة هي حكومة حزب الاستقلال السوري الاردني . وقد استمر الوجود الحزبي في جميع الحكومات وكانت اخر حكومة حزبية هي التي تشكلت في عام ١٩٥٦برئاسة سليمان النابلسي .
منذ العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي كان شيوخ العشائر ينتظمون في الاحزاب وفي مؤتمرات تتبنى برامج وطنية وسياسية ، من زمن حسين الطروانه وعلي خلقي الشرايري وسليمان السودي ومثقال الفايز وحديثة الخريشة وراشد الخزاعي وعبد الرحمن الرشيدات وناجي العزام الذين كانوا قادة حزب الاستقلال الى زمن عبد الحليم النمر وهزاع المجالي وصالح المعشر وسليمان النابلسي في الحزب الوطني الاشتراكي . اما مقولة العشائر ضد الحزبية ففيها تجني على تاريخها ورجالاتها ، وانكار لما كانوا يملكون من وعي وارادة سياسية في تحديث النظام السياسي وجعله اكثر تمثيلا للشعب . واذا كانت تجربة الحكومات الحزبية قد انتهت في عام ١٩٥٧ فذلك لظروف عربية ودولية خارجية وليس لان الشعب الاردني يحتاج الى التدرج او لان وعيه الوطني لم يرتق بعد الى مرحلة خوض غمار تجربة ديموقراطية نيابية حقيقية .
منذ عام ٩٣ وعودة الحياة الحزبية تحطمت عدة محاولات جادة لإنشاء قوائم حزبية هدفها إيصال اغلبية نيابية الى مجلس النواب مثل ما حصل مع الحزب الوطني الدستوري بقيادة عبد الهادي المجالي في عام ٩٧ . لقد أفشلت الخطوة رغم ظهور علامات نجاح كبيرة في تحقيق هدفها بتشكل الحكومة او ان في تكوين كتلة معارضة قوية .
اما حجة ( التدرج وان الشعب غير جاهز ) فلا تتضمن المغالطات فقط ، إنما فيها اصرار على التمسك بنظرة دونية للاردنيين ، ومبنية على افكار تشل ارادتهم وتبعدهم عن فرز مجلس نيابي قوي ، منه تتشكل الحكومات ، ومنه تُعارض وتسقط . الا يكفي ٢٦ عاما من التدرج للوصول الى حكومة برلمانية !.اي منذ عام ٨٩ . الم يعد من الصدق في القول رفض هذه الافكار غير العصرية القائمة على مخاوف لا أساس لها ، اللهم سوى تلك التي تهدد امتيازات نخب سياسية مستفيدة من اضعاف سلطة مجلس النواب.
الأحزاب ضعيفة لان القوانين اضعف من ان تبني حياة حزبية حقيقية ، والتدرج لا يأتي بإبعاد الناس عن التجربة وممارسة الديموقراطية ، الناس في السياسة كما في السباحة يتعلمون بالممارسة ، لا يمكن تعلم السباحة خارج الماء كما لا يمكن بناء الديموقراطية بدون ممارستها على اصولها ومذاهبها التي اصبحت نسخة صالحة لجميع الشعوب مع تعديلات حسب كل بلد ، تعديلات تعزز قوة الديموقراطية وليس العكس . ان في حجة ( الشعب غير جاهز ) انتقاص من وعي الاردنيين ومن قدرتهم على الخوض في غمار الشؤون المتعلقة بحياتهم ومصالح وطنهم .
الاردنيون ليسوا اقل وعيا ان لم يكونوا اكثر بالاف المرات من شعوب في امريكا اللاتينية من تشيلي الى الأرجنتين الى اورغواي الى البرازيل وغيرها وغيرها من أمثلة في اوروبا الشرقية ، وفي اسيا وجنوب الصحراء الافريقية انتقلت جميعها من انظمة سياسية قمعية وديكتاتورية الى التطبيقات الديموقراطية على اصولها في العالم الغربي . التدرج قائم في المملكة منذ عام ١٩٢١ اي منذ قيام الدولة الاردنية ، يكفينا تدرج ، وعلى من يشرع لقانون الانتخاب ان ينظر باحترام لوعي الاردنيين السياسي والحضاري ، ويكفي مقارنة ما يستحق الاردنيين بأوضاع جيراننا المؤلمة ، فالوجه الاخر للامن والامان وسط الغابات العربية المحترقة هي ان الاردنيين ليسوا ارهابيين ، ولا مكان للارهاب بينهم ، ويستحقون ان يمارسوا حقوقهم السياسية كاملة .
باختصار : نريد قانون انتخاب يؤدي الى وصول اغلبية نيابية برامجية ( من خلال كتل قبل الانتخابات وليس بعدها ) . اغلبية تشكل حكومة برلمانية ويكون الى جانبها كتلة معارضة برامجية قوية( وليست طيارة ) في مجلس النواب مهمتها وضع الحكومة تحت المراقبة والمحاسبة ، وبما يُفعل المادة الدستورية التي تنص بان نظام الحكم ( نيابي ملكي ) . وغير هذا لف ودوران وقفز فوق الاستحقاقات المطلوبة . القصة ليست في قانون ، يكون للناخب فيه صوت واحد او عشرة أصوات انما في كيفية ارسال ١٣٠ نائبا الى المجلس ليشكلوا حكومة ومعارضة والعمل في اطار برامجي ومؤسسي ، من خلال الاصطفاف في كتلتين صلبتين ، واحدة للاغلبية تشكل الحكومة ، واخرى للأقلية ، اي المعارضة مهمتها الوقوف للحكومة بالمرصاد ، تراقبها وتحاسبها ، تكشف اغلاطها او تقصيرها او فسادها . وكل هذا غير متوفر في (قانون النسور ) رغم محاولات تجميله من نخب سياسية لا يتجاوز جمهورها عدد المنتظمين في الولائم السياسية بليالي عمان.

