هل يعقل أن يشرّع نائب شبه أمي قوانين الدولة ؟
بمناسبة عرض قانون الانتخاب الجديد على مجلس النواب لمناقشته ، فأرغب أن أتقدم ببعض المقترحات لعل المسئولين والنواب يطرحونها على بساط البحث بعيدا عن الشخصنة وبما يعزز الديمقراطية ويخدم الوطن . ويمكن أن ألخص تلك المقترحات تحت أربعة عناوين هي : المستوى العلمي للنائب ، تشريع القوانين المتعلقة بأعضاء المجلس ، السيرة الذاتية لمرشح النيابة ، وعدد أعضاء مجلس النواب .
• فبالنسبة إلى المؤهل العلمي للنائب ، أعتقد أن طبيعة عمله تحتم أن يتوفر في النائب مؤهلات علمية عالية ليتمكن من المساهمة في تشريع قوانين الدولة المختلفة ، ومن بينها مشروع قانون الموازنة المالية السنوية للدولة ، بما تحويه من خطط حكومية مفصلة للعام القادم . هذا بالإضافة إلى ممارسة الرقابة على أعمال الحكومة والمؤسسات العامة ، وبما يتفق مع الدستور والقوانين والأنظمة النافذة . إن الاعتماد على لجان معينة لمناقشة القوانين وتقديم توصياتها ليبصم عليها بقية أعضاء المجلس دون مناقشة حقيقية يشارك بها الجميع ، هو أسلوب عقيم ولا يحقق الغاية المرجوة .
ومن حيث المبدأ فإن مجلس النواب مقتنع بشرط المؤهل العلمي لمن يتولى المسئولية ، وكما اقترحه في مشروع قانون البلديات الجديد بأن يحمل رئيس البلدية الشهادة الجامعية الأولى وأن يحمل عضو البلدية الشهادة الثانوية العامة ، رغم أن رئيس البلدية لا يشرع القوانين ولا يراقب الأداء الحكومي . ولكن المؤسف أن يردّ مجلس الأعيان هذا الشرط ويعود إلى تجهيل هؤلاء المسئولين والعودة بهم إلى عقود سابقة ، عندما كانت الأمية طاغية على نسبة كبيرة من أبناء المجتمع الأردني .
اعتَبرَ مجلس الأعيان الموقر في رده اقتراح مجلس النواب على : ” أن اشتراط الشهادة الجامعية للرئيس والثانوية العامة للأعضاء قيدا على حرية المواطنين في انتخاب من يمثلهم في المجالس البلدية أو المجالس المحلية بشكل مباشر من المقترعين المسجلين في تلك المناطق ، وأن يكون التمثيل نابعا من إرادة الشعب صاحب الولاية والاختصاص الأصلي في اختيار من يمثله ” . وكأنه يَفتَرِضُ بمن يحملون الشهادات العلمية العالية من المتقدمين لأشغال تلك المواقع لا يمثلون الشعب . وهذا منطق غريب حقا . . ! وأخشى أن تكون هذه القاعدة العرجاء مقدمة لما ينوي مجلس الأعيان تطبيقها على المرشحين من نواب المستقبل ، في حالة اشتراط المستوى العلمي من قبل مجلس النواب .
من المعروف أن لأي وظيفة رسمية أو عمل خاص شروط أساسية يجب أن تتوفر فيمن يتقدم لإشغالها إذا ما أريد تطوير وتقدم الدائرة الرسمية أو المؤسسة الخاصة . ومنصب نائب الأمة يجب أن لا يشذ عن هذه القاعدة . فمهمة النائب كبيرة وخطيرة في آن واحد ، ولابد لمن يشغلها أن يكون على قدر مناسب من العلم يمكنه من فهم متطلباتها والقدرة على أدائها بجدارة.
وتأسيا على ذلك يجب أن لا يقل المؤهل العلمي للنائب عن الشهادة الجامعية الأولى . أما الادعاء بأن النيابة يجب أن تكون متاحة للجميع بما في ذلك شبه الأميين والاعتماد على ( عدد الرؤوس المنتخِبة ) فهو قول متخلف ويجافي متطلبات العصر الحديث ، وهو كمن يرسل جنوده إلى ميدان المعركة دون سلاح ويطلب منهم النصر .
فقوننة هذا الشرط يرتقي بالمستوى الثقافي لنواب المجلس ، ويحسّن من أدائهم وتصرفاتهم الشخصية تحت قبة البرلمان وخارجها . كما يمكنهم من تمثيل ناخبيهم بأفضل صورة ممكنة ، أسوة بنواب المجالس النيابية في الدول المتحضرة الذين يحملون الشهادات الجامعية بصورة تلقائية .
من يقول بأن نواب الخمسينات والستينات من القرن الماضي كانوا بمعظمهم شبه أميين وفعالين في مجالسهم النيابية ، ثم يقارن بينهم وبين النواب الحاليين المجردين من الشهادة العلمية ، أقول بأن مقياسه خاطئ لأنه يقارن بين جيلين مختلفين يفصل بينهما ما يزيد على نصف قرن من الزمان . فظروف الماضي مختلفة عن ظروف الحاضر، وانتشار التعليم بين فئات الشعب في الماضي كان أقل منه حاليا ، والتوجهات بين المجالس السابقة واللاحقة مختلفة تماما .
فنواب الماضي كان هدفهم الأسمى خدمة الوطن وليس خدمة مصالحهم الشخصية ، باعتبار أن النيابة تشريف لا تكليف . وأبسط مثال على ذلك أنهم رفضوا كتابة عبارة ( مجلس النواب على لوحات سياراتهم ) باعتبارها تمييزا لهم عن بقية أفراد الشعب . وترفّعوا عن سن تشريعات وقوانين تحقق لهم امتيازات شخصية على حساب الوطن والمواطنين .
تشريع القوانين الخاصة بالمجلس . المجلس الوحيد في العالم الذي يشرع القوانين لنفسه لتعود بالنفع على أعضائه هو مجلس النواب الأردني . ولهذا شاهدنا المجالس النيابية المختلفة ومن ضمنها المجلس الحالي ، منشغلة في معظم أوقاتها في كيفية تحقيق المكاسب لأعضائها ، والتي شملت الرواتب الوظيفية العالية والزيادات المتكررة ، ومنحهم رواتب تقاعدية طيلة الحياة ، والسكن في فنادق خمسة نجوم رغم قرب المسافات ، والتأمين الصحي من الدرجة الأولى ، والطواف حول العالم بزيارات سياحية دون مردود يذكر ، وغير ذلك مما يعرفه المواطنون .
المطلوب من نواب الأمة في هذه الأيام الحرجة ، أن يكونوا على مستوى المسئولية الوطنية ، وأن يقروا قانونا ينص على أن التعديلات المتعلقة بأعضاء المجلس النيابي والتي يقرها المجلس ، تطبق على المجالس اللاحقة وليس على المجلس الذي أقرها ، لكي تتوقف التعديلات المصلحية والنفعية. فهل يفعلها مجلس النواب السابع عشر ؟ أشك في ذلك . . وإن كانت أمنية عزيزة لكل مواطن أردني . . !
• السيرة الذاتية . يفترض في النائب الذي يمثل الأمة أن يكون نظيفا خاليا من الدنس ، وذلك بأن تدرس الهيئة المستقلة للانتخابات سيرته الذاتية وملفه الأمني قبل الموافقة على ترشحه للانتخابات النيابية . وما جرى على بعض نواب هذا المجلس ، هو دليل واضح على ما أقصده .
• عدد النواب في المجلس . بما أننا دولة محدودة السكان وتعاني من مديونية عالية ، فمن المنطق أن يتم تمثلينا بعدد محدود من النواب لا يزيد عن 60 نائبا ، خاصة بعد إقرار قانون اللامركزية ، والذي حول الكثير من واجبات النواب الخدمية إلى أعضاء المجالس المحلية . ورغم أن الحكومة خفضت عدد النواب إلى 130 نائبا ، فإنني أعتقد أن العدد ما زال كبيرا ويصعب السيطرة عليه وإدارته من قبل الرئيس في الجلسات الرسمية تحت القبة . وقد شاهدنا في مرات عديدة كيف أفقد النواب بعض الجلسات نصابها القانوني ، وفي مرات أخرى شاهدنا رئيس المجلس يستغيث بالنواب للبقاء في مقاعدهم لكي لا يفقد المجلس نصابه القانوني في جلسات هامة .
وإذا ما قارنا عدد النواب نسبة إلى عدد السكان في المجالس النيابية لدى عدد من الدول الديمقراطية في العالم فسنجدها كالتالي :
– الولايات المتحدة الأمريكية / مجلس النواب ، نائب لكل 731 الف مواطن .
– المملكة المتحدة / مجلس العموم البريطاني ، نائب لكل 99 الف مواطن .
– جمهورية فرنسا / البرلمان ، نائب لكل 115 الف مواطن .
– ألمانيا / البوند ستاغ ، نائب لكل 139 الف مواطن .
– الأردن / مجلس النواب حسب التعديل المقترح ، نائب لكل 53 الف مواطن .
وهذا يبين لنا بأن عدد النواب الذين يمثلون الشعب في المملكة الأردنية الهاشمية رقم مبالَغ به ، ويفوق التمثيل القائم في بعض دول العالم الديمقراطية . وإذا ما تم اعتماد الرقم الذي اقترحته وهو 60 نائبا ، فإننا في هذه الحالة سنجد أن كل نائب يمثل 116 ألف مواطن وهو رقم يقارب الرقم الفرنسي وفيه قدر كبير من المعقولية.
أضع هذه المقترحات أمام رئيس مجلس النواب بصفتيه التشريعية والعلمية ، آملا أن تجد طريقها إلى المناقشة تحت قبة البرلمان ، وأن تتلقفها آذان صاغية وعقول منفتحة تقبل الحوار وتنحاز إلى المنطق بعيدا عن التمترس وراء رأي جامد ، لكي ننتج قانونا انتخابيا عصريا ، يعيد لمجلس النواب هيبته ، ويقدم للوطن والشعب نوابا متعلمين يكرسون جهودهم لخدمتهم بإخلاص وأمانة .

