صحيفة الكترونية اردنية شاملة

فساد بالمزاد

0

لا يمكن للحضارة الانسانية ان تتجاوز ما يجري على الارض العربية امام استفحال جرائم الثالوث المعادي للشعوب واعني : الفساد والاستبداد والارهاب . لا أستطيع ان أتصور ان ( التاريخ البشري ) سيتعامل مع هذا الثالوث بالاكتفاء بالتجاهل او طَي صفحات أعماله الكارثية . بلا شك ستقف الحضارات يوما ما ، في المستقبل القريب او البعيد ، لدراسة وتأريخ المأساة الانسانية الكبرى التي حلت بالشعوب العربية في هذا الزمن على يد ثالوث الفساد والارهاب والاستبداد ، الذي يستمد كل طرف منه وجوده واستمراره من الطرفين الاخرين .
سيتفرغ المفكرون والمؤرخون والفنانون والسياسيون ورجال القانون الدولي والانساني ، والمستشرقون والباحثون في البيولوجيا والاثار ، في علم الاجتماع ودراسة طبائع البشر من مختلف الشعوب والحضارات ، في مستقبل قريب او بعيد ، لوصف هذا الذي يجري في العالم العربي من اهوال ارتكبت وترتكب ضد الانسانية ، عالم توطن فيه الفساد حتى اصبح حقا للحكام ومن يستظلون بظله ، عالم عربي استشرى فيه داء الارهاب حتى تحولت فيه براءة الأطفال وحيوية الشباب التي توصف (بمقتبل العمر ) الى مشاريع للابادة الجماعية ، بالسيارات المفخخة بمئات الاطنان من أدوات الموت ، حاصدة ارواح نساء ورجال واطفال ابرياء براءة الجنين في بطن أمه ، وكأن ادمغة هولاء القتلة قد استبدل فيها السائل الكيماوي بالكوكايين والهيروين وأطنان الحشيش .
وعالم عربي اصبح فيه الحاكم المستبد قدرا مسلطا على شعبه يقتله كيف ومتى شاء ، يسرقه وينهبه أنّا أراد ، يمنحه حق ان يكون ساكنا تحت ظله ان تخلى عن انسانيته وقبل بالعبودية والطغيان ، ويعاقبه بالقتل او بتحويله الى لاجئ مشرد تحت خيام اللجوء او ليقضي غرقا في مغامرات الهروب عبر البحار ، في ملهاة إنسانية عن حالة شعوب في اوطان ، يسود فيها الفساد والارهاب والاستبداد .
كثيرٌ ، ما هو مشترك بين الفساد والارهاب والاستبداد ، لكن الأهم منه : اعتقاد كل طرف من هذا الثالوث بان ما يفعله من جرائم هو حق سماوي منزّل له … . الفاسد يرى ان من حقه ان ينهب المال العام يتصرف به لرفاهيته ولافساد بطانته تاركا الفقر والجوع والبطالة لابناء شعبه . الامر بيده ان منح او أعطى ، او منع وحجب …. . اما الإرهابي فعدا انه يتخيل نفسه كواحد من سدنة نار جهنم ( والعياذ بالله ) يحاسب ويعاقب ، الا انه في الأصل أمير في الفساد ، بما يملك من اساليب في السطو على املاك الناس ، وثرواتهم وثروات اوطانهم …..المستبد بدوره ، يقتل شعبه ويبيد مدن وحواضر وطنه حتى لا يشاركه شعبه بما يضن ان الوطن تركة وميراث له شخصيا .
ستتفرغ الحضارة الانسانية في المستقبل ، لدراسة ما يحل بالشعوب العربية على يد ثالوث الفساد والارهاب والاستبداد ، ان ارادت ان تكتب تاريخا موضوعيا بعيدا عن مؤرخي السلاطين وعن دعاة ( الدولة المدنية ) المزيفين ، من أنصاف مثقفين ، وحزبيون فاشلون ، وقضاة مزعومين أباحوا للحاكم المستبد ابشع جرائمه ، بزعم انه ان مات او قتل فُنيت أمة العرب .
سيُكتب التاريخ يوما ، بعيدا عن أنصار نظرية المؤامرة من قوميين ودعاة وطنية ، استعبدوا الامة منذ فجر استقلالها تحت مزاعم مواجهة المؤامرة الامريكية الصهيونية ، وبان لا صوت يعلو على صوت المعركة ، فما كان منهم الا ان جلبوا الهزائم والعار والخراب حتى فاض فسادا واستبدادا وإرهابا ، لقد ادخروا( هذه المعركة ) لقتل شعوبهم واستعبادها ، الا ساء ما فعلوا وما يفعلون .
المؤامرة كانت دائماً موجودة ضد العرب وضد كل امّم الارض ، وما يحركها مصالح الدول القوية القريبة والبعيدة ، استعمارية او رأسمالية ، لكن ما من متآمر اجنبي جاء الى ارض هذه الامة ، الا وكان المستبدون والفاسدون والإرهابيون هم السدنة الذين شرعوا الأبواب على مصراعيها لدخول الجيوش والمؤامرات .
وعن وباء هذا الثالوث الفتاك ، اتخيل ، انه سيحدث يوما ، في مكان ما من الارض ، اقامة مزاد علني لتقرير ما سيدونه التاريخ عن اعظم فساد لحق بالبشرية في القرن الحادي والعشرين ، وفي التاريخ كله . تماما كما يجري المزاد على لوحات دافنشي وبيكاسو ، وان كانت هذه اللوحات قد قدمت كروائع للفن البشري ، أتخيل بان المنافسة ستكون عن ما هو اسوأ وأحقر في ( ظاهرة الفساد المالي والسياسي ) في هذا العصر . أتصور ان المزاد سيقتصر على ( الفساد في العالم العربي ) لان ما من فساد اخر مؤهل حتى لاستكمال شروط دخول المنافسة ، لان رؤساء في العالم سقطوا وحوكموا على حفنة من الاف الدولارات ، في الفساد العربي الموضوع مليارات او ترليونات !.
من سيفوز باكبر فساد في التاريخ ؟. هل هو الفساد في العراق الذي التهم ترليون دولار من خيرات العراق ، ام فساد حاكم مصر السابق الذي قيل انه يتجاوز ال ٨٠ مليارا ، ام فساد العقيد الذي له ١٢٠ مليارا . الخ . حتى فساد بن علي حاكم تونس السابق لا اعتقد انه مؤهل لدخول المزاد التاريخي ( لانه شوية مليارات ) . لقد كشف الشعب العراقي بمظاهراته الحالية عن ارقام خيالية في الفساد بما يؤهل الفاسدين في بلاده للفوز في مزاد الفساد التاريخي ، ونأمل ان ينجح العبادي ، على الأقل ، في الكشف عن ارقام الفساد الحقيقية ، فسيدخل التاريخ حتى وان فشل في وضع الفاسدين خلف القضبان .
وليتذكر الجميع ان الشعوب لم تنتفض في بدايات الربيع العربي الا احتجاجا على استفحال فساد الانظمة ، ذلك ان كل ما طالبت به الجماهير ورفعته في شعاراتها هي : الحرية والكرامة والعدالة . لانها اعتقدت بان ما من طريق للقضاء على الفساد الا بتحقيق هذه المطالب ، لكن ثالوث الفساد والارهاب والاستبداد أجهض الربيع العربي بتحالف المصالح بين أطرافه تحت معادلة (عدو عدوي صديقي ) والعدو هنا لهذا الثالوث هي الشعوب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.