الإنتماء للمستقبل
يدخل معظم عالمنا العربي في دوامات سياسية ودينية وقبائلية وفساد إداري ومالي متفاقم ومتعاظم، ويرافق ذلك غياب للديموقراطية الحقيقية، وتؤثر عليه سلباً الزيادات السكانية المنفلتة والعالية وغير القابلة لتوفير متطلبات خدمتها من قبل الدول وحكوماتها، ويصاحب هذا تراجع التعليم، وأحيانا عدم تغطيته لجميع السكان مما يزيد من معدلات الأميين في المجتمعات، وتظهر ارقام إحدى الدول العربية أن الأمية فيها قريبة من 40% من السكان!!! وبعض الدول لا توجد فيها تغطيات للصرف الصحي، فما زالت الملايين من مواطني وادي النيل (أكثر من 6 ملايين) تتغوّط يوميا في النيل، عداك عن عدم وجود برامج وسياسات حقيقية للشباب الذين يزيدون في نسبتهم المئوية عن40% ، وما يزعج في التعامل مع الشباب أن مشاركتهم ضعيفة في السياسة والحياة العامة وتولي المناصب السياسية والإدارات!!! وفوق هذا وذاك يحتاج التعليم في معظم دولنا العربية إلى تطويرات جدية لتحسين المضمون، وتحسين مدخلات التعليم التي تعمل على تقوية النسيج المجتمعي والمفاهيم الدينية وتغيير العادات السلبية للمواطنين، وتعمل ايضاً على تطوير المفاهيم المجتمعية للتعامل مع الذكور والإناث بشكل مختلف عما يحدث حاليا، والقائمة تطول وتطول، وتدلل كلها على غياب السياسات الحقيقية اللازمة لدولنا ومجتمعاتنا والتي تكفل المستقبل الأفضل.
هل دولنا تنتمي للمستقبل، وهل نحن كمواطنين ننتمي له أو نطمح بأن نكون فيه؟؟؟
إن غياب الأهداف المستقبلية للدول توجب وللاسف غياباً قسرياً للسياسات الحكومية اللازمة التي يمكن أن توصل للأجواء الإيجابية للمستقبل، والتي من أهمها ومن ضمنها خلق الفرص لديموقراطيات حقيقية وقوانين وممارسات إنتخابية أفضل عما هي عليه الآن، وبعدها إيجاد قوانين شافية لخلق أحزاب سياسية فاعلة ذات برامج إنتخابية، وتكون فيها الأحزاب بعيدة عن التدخلات الأمنية فيها منذ يوم تأسيسها، وبعد ذلك ضمان انتخاباتٍ نزيهةٍ تضمن النتائج والتبادل السلمي للسلطة، وتحسّن من كفاءة مجالس الامة في المراقبة والتشريع النيابيين، وهذه كلها بدايات مهمة وأساسية للدلالة على جدّية الإرادة السياسية وتوفرالرغبة في الإنتماء للمستقبل، وبغير وجودها لا يجوز التصديق بالإدعاءات عن العمل له.
أما في حال غياب الرغبة في الإنتماء للمستقبل، فستبقى أمور تحسين اوضاع المواطنين تجري وتتم عشوائيا بغياب السياسات والإدارة التنفيذية والحكومية الملائمة، وستبقى جميع الحلول تتم في دائرة التعامل مع الشؤون اليومية في إدارة الدولة تعالج فيما يسمى بطريقة إدارة مكافحة الحرائق (كلما ظهرت أزمة ما) أو إدارة الأزمات.
وعند النظر الى زعمائنا فإنك ترى فيهم من يتجاوز الخامسة والسبعين ويتم التجديد له، ومثلهم آخرون في رئاسات الحكومات أو في الوزارات، يقابلهم في دول الإنتماء للمستقبل رؤساء حكومات أجنبية وأحزاب معارضة تقل أعمارهم عن الخامسة والاربعين. وسيتحدث الزعيم كبير السن عن حياته في الخمسينات والستينات، ولن يتحدث عن خطط عشرية أو عشرينية (كما فعل مهاتير محمد في ماليزيا) لتحسين ظروف بلده لأنه ببساطة لن يكون حيّا (والاعمار بيد الله) في تلك الفترات في حين ان نظراءهم الاجانب سيتحدثون عن المستقبل الذي يطمحون أن يعيشوا فيه لأنهم ينتمون إليه!!!
وتتلاعب حكوماتنا العربية في إظهار أرقام البطالة المأساوية بالحديث عن نسب لا تتجاوز 14 % !!! في حين يتحدثون عن بطالة الإناث الجامعيات بانها تصل إلى 40 % او أكثر، وذلك لتقول هذه الحكومات للعالم بانها مسيطرة على نسب البطالة ضمن المعدلات العالمية، وأنه لا توجد أخطارٌ إجتماعيةٌ او ثوراتٌ يمكن أن تنجم عنها، وبالتالي لا تستطيع الحكومات نتيجة لكذبها بأن تضع برامج حقيقية تعالج البطالة وتخفضها مثلاً لتصبح 8%، لماذا؟ لأن الحكومات تعرف بانها لا تقول الصدق اصلا في الرقم الحقيقي والذي تزيد نسبته فعلياً عن 14% وبالتالي فإنها لو أعلنت عن برامج لتخفيض البطالة بنسبة 6 % فإنها ستصل بعد التخفيض إلى 12 % مثلا وليس الى الرقم 8%!!!
أما الفساد الذي يخرّب الحاضر وينفي ويلغي أمال التطوير بالإستثمار في مشاريع التعليم والصحة والمياه، فإن معظم الحكومات تستطيع ان تقول بانها ستحاربه وستخفض نسبته، بينما الفساد يزداد أفقيا وعموديا في المؤسسات، ويقاسي منه المواطنون الذين يعرفون بأنه لا جديّة حقيقية في محاربته حيث تصل نسبته في بعض بلداننا العربية إلى أكثر من 95 % للعاملين في القطاع العام وحتى في القطاع الخاص!!!
أتمنى من كل قلبي بأننا لم نصل بعد الى مفترق الطريقين بين الطريق الأول المؤدي للولوج للمستقبل والإنتماء له أو بين الطريق الثاني المؤدي للعودة للماضي السحيق أو فترة السبات ( الإلتفاف الراجع أو يو تيرن U Turn ) وبالتالي فإن عدم الوصول لهذا المفترق يعني على الاقل بأننا لم نختر بعد الطريق الثاني وأننا لم ندخله.

