صحيفة الكترونية اردنية شاملة

دولة الرئيس: البيروقراطية ليست وحدها ما يعيق الاستثمار!

0

أفاق دولة الرئيس الدكتور عبد الله النسور من غفوته التي دامت لأكثر من ثلاث سنوات ، عندما زار جلالة الملك عبد الله الثاني دار رئاسة الوزراء خلال الأسبوع الماضي ، ليذكّره بقضية الاستثمار المتعثر والتي لا تحظي بالاهتمام الكافي من قبل الحكومة . وجه جلالته الرئيس بضرورة إيلاء هذا الموضوع أهمية قصوى ، وتهيئة البيئة الاستثمارية الملائمة لتشجيع المستثمرين الأجانب على القدوم إلى البلاد ، لإقامة مشاريع استثمارية تنعش الاقتصاد وتحد من البطالة والفقر بين المواطنين .
من الواضح أن دولته يسوّق علينا بين حين وآخر بضاعة كاسدة ، من خلال تصريحاته التي تعلن بأن اقتصادنا في وضع سليم ، بعكس الحقيقة التي يعرفها الجميع . كما يحاول إقناعنا في لقاءاته الصحفية وبأسلوبه المعروف ، أن المديونية لم تزد دينارا أو درهما واحدا في عهده الميمون . ولكن الشاهد الجديد الذي ينقض هذا القول هو ما ورد في جريدة الرأي الأردنية ، الصادرة يوم الخميس الماضي 6 / 8 ، حيث ذكرت نقلا عن مصادر رسمية بأن الدين العام قد ارتفع حتى نهاية شهر حزيران الماضي بنسبة 4 % أي ما يعادل 831,6 مليون دينار ، ليصبح مجموع الدين العام 21,3 مليار دينار .
وفي لقاء الملك بوجهاء وممثلي الفعاليات الشعبية في العقبة يوم الخميس 30 / 7 ، كشف جلالته الستار عن بعض المعيقات التي تواجه الاستثمار والمستثمرين ، من حيث القوانين البيروقراطية وأساليب التعامل المنفّرة التي يمارسها موظفو الحكومة ، وما ينتج عنها من انعكاسات سلبية تلقي بظلالها القاتمة على مختلف مناحي الاقتصاد الوطني ، وتخالف بالتالي توجيهاته المتكررة بهذا الخصوص .
فعند صحوة الرئيس المفاجئة من أحلام اليقظة ، والتقاطه ما أشار إليه جلالته من نقد شديد للحكومة ، في تقصيرها بمكافحة الفقر والبطالة واستقطاب المستثمرين ، هرول مسرعا إلى مقر هيئة الاستثمار يوم الاثنين الماضي 3 / 8 واجتمع برئيسها والهيئات المعنية ، وألقي عليهم خطبة عصماء استعرض بها فوائد الاستثمار ، وبين عيوب الموظفين وممارساتهم البيروقراطية ، التي كانت سببا في احجام المستثمرين عن توطين استثماراتهم في البلاد ، مبرئا نفسه من المسؤولية .
وفي لقاء آخر مع مستثمرين عرب يوم الخميس الماضي قال دولته ” أن المشكلة الوحيدة التي يعاني منها الاستثمار هي الروتين الحكومي ” . كلاّ دولة الرئيس . . الحقيقة أن المشكلة ليست فقط بالروتين الحكومي كما تفضلت . ويبدو أنك تجهل الحقيقة أو أنك تعرفها وتحاول إخفاءها عن المواطنين قراء ومستمعين . وإجلاء للحقيقة أرى أن أطلعك على ممارسات بعض موظفيك بكل شفافية وصراحة :
1. مطالبة بعض الموظفين من المستثمرين تخصيص نسبة لهم من أرباح مشاريعهم ، أو تسجيل عددا من الأسهم بأسمائهم مجانا ، أو على الأقل ضمان وظيفة عليا لهم في المشروع بعد ترك العمل الحكومي . وهذا يجري في غالب الأحيان تسلسليا ابتداء من القمة وانتهاء بالقاعدة .
2. مطالبة بعض الموظفين من المستثمرين دفع مبالغ معينة لهم سرا ( رشوة ) تتناسب مع حجم الاستثمار المنوي إقامته كشرط مبطّن ، لمواصلة السير بإجراءات الموافقة على إقامة المشروع .
3. الابتزاز الذي يمارسه بعض المواطنين القاطنين قريبا من مؤسسات المشروع الاستثماري ، على شكل ( خاوات مالية ) يفرضونها على المستثمرين المحليين والأجانب ، لكي يسمحوا لصاحب المشروع بممارسة نشاطاته في مشروعه . وبعكس ذلك يعرقلون عمل المشروع بإغلاق الطرق المؤدية الى ومن المشروع ، أو القيام بأعمال تخريبية في المنشاءات والمعدات والآليات العائدة له . أعرف أحد المستثمرين المحليين القدماء ، الذي أغلق السكان المجاورون مشروعه منذ بداية أحداث الربيع العربي وحتى الآن بسبب عدم دفعه ( الخاوه ) ، رغم أن المشروع مكتمل الشروط الرسمية . وبعد مراجعاته العديدة للجهات الرسمية ومنها رئاسة الحكومة ، كان الجواب الذي تلقاه أخيرا ( دبّر حالك مع الجماعة ) .
دولة الرئيس
البيروقراطية ليست مستحكمة في دوائر الاستثمار فحسب ، بل أنها ظاهرة مستشرية بعمق في مختلف دوائر الدولة الرسمية . فكم من معاملة بسيطة تحتاج إلى توقيع موظف أو اثنين ويمكن إنجازها بوقت قصير . إلا أن البيروقراطية ( تجرجر ) صاحب المعاملة بين عشرات المكاتب والدوائر ، فيجري طمس المعاملة بأختام وتواقيع لا لزوم لها تستغرق بضعة أسابيع . هذا إذا لم يكن بعض الموظفين مشغولين باجتماعات شكلية أو مجازين ولا يوجد من يحل مكانهم .
والسؤال الذي يطرح نفسه عليكم دولة الرئيس هو : لماذا أغلقَتْ 1500 شركة أبوابها في الأردن خلال عامين ، وألغت 8 آلاف فرصة عمل ثم هاجرت إلى الخارج ؟ ويُشاع أيضا بأن 400 شركة أخرى في طريقها للإغلاق والهجرة . ألم يخطر ببالك أن تكلف بطانتك بالاجتماع مع مدراء تلك الشركات في لقاء صريح ، لاستيضاحهم عن أسباب هجرتهم خارج البلاد تمهيدا لمعالجتها ؟ ألم تفكر بالاجتماع مع مدراء الشركات الذين استنكفوا عن الاستثمار بالأردن ، لمعرفة الاسباب التي دعت للاستنكاف عن السير بمشاريعهم ؟ إن هذه نقطة البداية لمن يريد الإصلاح ، لأن تشخيص الداء يسبق وصف الدواء لعلاج العليل.
صحيح أن الاقتصاد يتأثر بالوضع الدولي والإقليمي خاصة في دول الجوار . ولكن عامل الأمن والاستقرار الذي نتمتع به في هذا البلد والحمد لله ، يشكل حافزا مغريا لتوطين المشاريع الاستثمارية الأجنبية والمحلية في بلادنا ، إذا خلصت النوايا وصلحت بقية العوامل .
دولة الرئيس
خطابك البليغ في هيئة الاستثمار عن معيقات الاستثمار الكثيرة والتي تنبهت لها متأخرا بتذكير من الملك ، يدل على أنك تعرف بعض جوانب المشكلة المتمثلة في الروتين الحكومي أي البيرورقراطية . فلماذا لم تستخدم صلاحياتك في نسف ذلك الروتين واستبداله بأسلوب حضاري يسهل العمل ويوفر وقت المراجعين والمستثمرين ؟ ولماذا لم تكلف الأجهزة الأمنية ودائرة مكافحة الفساد بموافاتك بأسماء المرتشين والمتخاذلين ومعطلي الاستثمار ومؤخري معاملات المواطنين في مختلف دوائر الدولة ؟ وعلى ضوئها يجري حسابهم وتطبيق مقولتك الأخيرة عليهم : ” من يريد التعامل بمزاجية فمنزله أولى به ” .
لقد شبعنا تنظيرا وتسويفا ، وأتخمنا باللقاءات والمحاضرات المدعومة بعروض مفصلة على ( البور بوينت ) في داخل القاعات لفترة تقارب العقدين . ولكننا لم نحصد من ورائها إلا الفشل في الاقتصاد ، والتعليم ، والزراعة ، والنقل ، والإدارة ، وزيادة المديونية ، وتوسع جيوب الفقر ، والبطالة ، وبروز ظاهرة الرشا في الدوائر الرسمية ، وانتشار الجرائم بمختلف أنواعها .
إن ما يجري داخل الغرف والمكاتب لن يصنع استثمارا إلا إذا تبعه عمل ميداني أمين ، لأن مصطلحات التنظير من ( نافذة استثمارية ) وغيرها ستتبخر في الهواء بعد انتهاء الاجتماع مباشرة ، كما تبخر غيرها من مصطلحات براقة خلال العقدين الماضيين . فمتى نحسم هذا الوضع الشاذ بالعمل الجاد والإجراءات الحازمة ، من خلال تقصي الحقائق وتطبيق سياسة الثواب والعقاب ؟
دولة الرئيس
إنني لست مستثمرا وليس لي علاقة بقضايا الاستثمار من قريب أو بعيد . ولكن قلبي ينفطر حزنا عندما أسمع أن مستثمرا غادر دون أن يقيم مشروعه على أرض الوطن ، نتيجة للتعقيدات والقوانين المتخلفة وممارسات بعض الموظفين غير الأمناء على مسؤولياتهم .
أدعو دولتك لوقفة أمينة مع ضميرك لتقيّم ما قدمت من خدمات للوطن والمواطنين خلال ولايتك العظيمة . وأعتقد إن كان ضميرك حيّ سيدعوك إلى الاعتكاف في نادي رؤساء الوزارات السابقين لكي تريح وتستريح ، بعد أن حققت طموحاتك الشخصية التي تمنيتها طيلة حياتك . والآن حان وقت الرحيل ، فلعلك تختم خدمتك العامة بموقف وطني وأخلاقي أمام الله والتاريخ ، وتقدم استقالتك بشرف بعد أن حصدت الفشل الذريع في ممارساتك الوظيفية ، وجسدّت سوء الإدارة الحكومية خلال ثلاثة أعوام عجاف في تاريخ الأردن الحديث .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.