بعد تركيا.. الأردن والمنطقة العازلة
تعددت الاجتهادات حول الهدف الرئيسي للتدخل التركي في شمال سوريا وبعضها اكدته التصريحات الرسمية في أنقره مثل مسالة التصدي لقواعد حزب العمال الكردي في ريف حلب والرقة والحسكة ، وهذا الحزب مصنف منذ السبعينات من القرن الماضي كاخطر عدو لتركيا . غير ان للتدخل العسكري التركي هدف آخر اكثر اهمية ، وهو إيجاد مقعد لها على اي طاولة ستقام من اجل مستقبل سوريا ، وفي اعتقادي انها تفضل بقاء سوريا موحدة على رؤيتها وقد انقسمت الى ثلاث دويلات على حدودها الجنوبية : واحدة كردية تُضاعف مخاوف انقرة من النزعة الاستقلالية لاكراد تركيا امام ظهور اقليم كردستان سوري الى جانب كردستان العراق . ومخاوف من دولة علوية في الساحل السوري قد تنقل عدوى الانقسامات المذهبية والطائفية المنتشرة في سوريا والعراق الى جنوب غرب تركيا حيث يتواجد الملايين من العلويين الأتراك والعرب. ومخاوف من تنامي دولة داعش السنية التي يغذي وجودها مناخات القسمة والانقسام في العالم السني باكمله وبدون استثناء .
التدخل العسكري التركي هو مظلة لتأمين مقعد انقرة في رسم مستقبل سوريا بعد رحيل الأسد او بمشاركة نظامه ، والطريق الى بناء هذه المظلة سيكون ، كما ذكرت صحيفة الواشنطن بوست ، في اقامة منطقة عازلة تمتد من غرب الفرات الى شرق حلب ، واذا كان اردوغان قد طالب بهذه المنطقة منذ اكثر من عامين ، فان الجديد هذه المرة ، هو ان امكانية تنفيذها اصبح متاحا بعد تأييد واشنطن للتدخل العسكري التركي بل وتشجيعه بان يكون بريا . التصريحات الرسمية وما تنشره الصحف التركية والأمريكية تؤشر على ان اردوغان الذي انتهج دبلوماسية المقايضة مع الولايات المتحدة ، في كل خطوة قام بها او لم يقم ، تجاه الازمة السورية ومحاربة داعش يُستبعد ان يكون قد اقدم على فتح قواعد بلاده الجوية امام الطائرات الأميركية بدون الحصول على ( مقايضة ) تسمح له بإنشاء مظلة جوية للمنطقة العازلة التي قيل بانها ستكون بعمق ٦٨ ميلا داخل الحدود السورية .
كل المؤشرات تدل على ان تدويل الازمة السورية عسكريا اصبح قيد التنفيذ، وقد قدم بشار الأسد في خطابه يوم الاحد التأييد المباشر والمفتوح لتدويل الصراع السوري ، عندما اقترن حديثه عن ( تعب جيشه ) بالإشادة بما تقدمه ايران وحزب الله من مساعدات بالخبرة والمقاتلين ، منتهيا الى القول بان ” سوريا ليست للساكنين فيها او لمن يحمل جنسيتها انما هي لمن يدافع عنها ” وهو ما يفتح الباب لمزيد من الاستقطاب الإقليمي والدولي في الحرب الدائرة ، كما يفتح الطريق امام التصريحات الإيرانية المتكررة ، على اعلى مستوى ، لتغيير هوية سوريا العربية ، حيث اصبحت سوريا في نظر رئيسها ساحة حرب هي لمن يفوز بها، أيّاً كانت جنسيته !.وان لاكثر الناس سعادة بأقوال الأسد هم الايرانيون وفي طليعتهم الجنرال سليماني ، الذي اعفاه الاتفاق النووي من مقارعة الشيطان الأكبر لكي يتفرغ (للدفاع عن سوريا ) التي سبق وان وصفها مهدي طائب ( مسؤول الحرب الناعمة في طهران ) “بانها المحافظة ال ٣٥ لإيران وان سقوطها اخطر على ايران من سقوط الأحواز “.
السؤال اردنياً: اذا أقامت تركيا منطقة آمنة في شمالي سوريا بتأييد سياسي وعملياتي من الولايات المتحدة وبدعم دفاعي من الناتو فهل سيقدم الاردن على اقامة مثل هذه المنطقة في جنوب سوريا خاصة في منطقة حوران السورية؟.
في الحقيقة لا اعرف، كما لم اجد احدا يعرف جوابا على هذا السؤال من النخب التي اعتادت تقييم الأوضاع بناء على معلومات من مراكز القرار . هذه المرة لا معلومات . ووزير الخارجية يلتزم الصمت خلال الأشهر الاخيرة على غير عادته . اما الصوت العالي للحكومة فهو اصرارها على حديثها المكرور ،وبلا ملل ، بان هدفها هو جلب الاستثمارات الاجنبية وتشجيع السياحة الخ . وكأن حدود الاردن هي الريفيرا الفرنسية وليست تلك الحدود الملتهبة التي تحف به كالسوار حيث يستقبل ولا يزال ملايين اللاجئين وضحايا الحروب من السوريين الى اليمنيين والعراقيين والليبيين ، وهي حالة ، في الف باب الاقتصاد ، طاردة بامتياز لكل استثمار ان كان من الداخل ام من الخارج !. والاستثمار يأتي باستثمار كل الجهود من اجل اعادة الاستقرار والسلام الى سوريا .
لحسن حظ هذا البلد انه يملك اجهزة امنية واستخباراتية وجيش قوي محترف، واعتقد ان هذه الأجهزة عملت بمتابعة واصرار خلال سنوات الحرب على اقامة ( منطقة عازلة ) على حدودنا الشمالية ، منطقة ليست بحماية مظلة جوية انما بمظلة ارضية نسجت خيوطها لاقامة شبكة علاقات مع القوى على الارض المتاخمة لحدودنا ، خاصة في حوران السورية والبادية ، مع تنظيمات مقاتله معتدلة وقوى عشائرية محلية . لقد بات ملموسا وجود جدار من الحصانة في تلك المناطق بمواجهة التطرف والارهاب . لكن هذا لم يعد كافياً في ظل التطورات الجديدة وتوسع دوائر الحرب السورية ، ومع خطر نزوح مسلح من شمالي سوريا الى جنوبها في حال تمكنت تركيا من اقامة منطقة عازلة خالية من داعش وغيرها بمساعدة من امريكا والناتو تحت شعار حماية المدنيين من الارهاب واعادة اكثر من مليوني لاجئ سوري الى ديارهم التي فروا منها .
والسؤال مرة اخرى : هل ستدفع الخطوة التركية الاردن الى العمل من اجل الحصول على تأييد من التحالف لإنشاء منطقة عازلة بمظلة جوية هدفها الاول حماية الامن الوطني للبلاد في ظل تنامي قوة داعش والنصرة في تدمر وجنوب سوريا والجولان وحوران ، ولان امكانية انتقال قوة داعش الرئيسية من شمال سوريا الى جنوبها اصبح احتمالا واردا اذا ما تعرضت لعمل جوي وعسكري ينطلق من على طول الحدود التركية بمشاركة الناتو وامريكا ؟.
اما التساؤل الأخير : هل ستبحث الدولة الاردنية في مضمون اقوال الأسد التي اشرت اليها في المقال من زاوية التساؤل في مصير المليوني لاجئ سوري في الاردن .. هل هم سوريون ام لا حسب مواصفات الأسد الجديدة ؟. ثم ماذا يعني ان سوريا ستصبح ملكا لمن يدافع عنها مهما كانت جنسيته وليست للسوري ( الساكن او من يحمل جنسيتها ) !؟. . ما تأثير ذلك على امننا الوطني ان اصبحت حوران السورية موطنا ( لسوريين من جلدة اخرى وهويات من ما هب ودب ) من ميليشيات ابران وافغانستان و حزب الله وعصابة الفضل العباس والحرس الثوري الايراني ؟.
الا تدعو كل هذه التطورات في دمشق والزبداني وفي شمال سوريا (بالاضافة الى السعي التركي اقامة منطقة حظر جوي) الى تفكير اردني بالتوقف عن سياسة (النأي بالنفس ) والبحث عن دور تفرضه تطورات الامر الواقع التي قد تفرزها الأحداث الوشيكة المقبلة بما قد تحمل من اخطار على الامن الوطني ، دور يستلهم العمل على بناء استراتيجية إقليمية ودولية تحفظ للاردن مقعدا في رسم مستقبل سوريا على ضوء مصالحنا الوطنية والقومية وفي مقدمتها ان تظل سوريا لجميع مواطنيها، لملايين السوريين من اللاجئين والصامدين بمواجهة ارهاب داعش وبراميل النظام ، لا ان تصبح مأوى لكل مارق طريق استباح دماؤهم ودمر حواضرهم وأريافهم باسم الدفاع عن سوريا من أمثال عصابات داعش الى عصابات الحرس الثوري الايراني .

