صحيفة الكترونية اردنية شاملة

منطقة عازلة أم منطقة آمنه شمال الحدود الأردنية؟

0

تداولت وسائل الإعلام خلال الفترة الأخيرة تصريحات لبعض السياسيين ، حول إنشاء منطقة عازلة أو منطقة آمنة شمال الحدود الأردنية لتوفير ملاذ آمن لإيواء اللاجئين السوريين داخل اراضيهم . إن خطورة الأوضاع الداخلية والخارجية السائدة في المنطقة حاليا أصبحت تهدد الأمن الوطني الأردني بصورة فعلية . ففي الداخل إضافة للأوضاع الاقتصادية المتردية ، والمديونية العالية ، وتزايد نسبة البطالة ، وانتشار الآفات الاجتماعية الأخرى ، هناك مشكلة اللجوء السوري بأعداد تفوق قدرة الأردن على مواجهتها وهي ما زالت بتزايد مستمر . أما من الخارج فإن الأردن بحمد الله يشكل جزيرة مستقرة في وسط محيط ملتهب يعج بأعمال قتالية شرسة تمارسها منظمات إرهابية عديدة ونظام حكم متعنت . وإذا ما نجحت واستحكمت تلك المنظمات على حدود الأردن ، فإنها ستشكل خطرا كبيرا على أمنه واستقراره .
هذا الوضع المقلق والذي مضى عليه ما يزيد عن أربع سنوات دون الوصول إلى حل يعيد الأوضاع في دول الجوار إلى سابق عهدها ، حيث كانت تنعم بالهدوء والاستقرار ، فإن ذلك يدفع الأردن إلى التفكير بأمنه الوطني ومصالحه الاستراتيجية ، ويفرض عليه اتخاذ إجراءات احترازية تحفظ كيانه وسلامة مواطنيه . من بين تلك الإجراءات فضلا عن عن الإصلاحات الداخلية ، التفكير بالتخلص من اللاجئين السوريين وذلك بإنشاء ” منطقة عازلة ” أو ” منطقة آمنة ” خارج حدوده ، تنقل إليها مخيمات اللاجئين المقامة على أراضيه في أقرب وقت ممكن.
إن مفهوم الأمن الوطني بمعناه الشامل ، يرتكز على سلامة الدولة وحماية مقوماتها من كافة أشكال التهديد الخارجي والداخلي في مختلف الظروف . فإنشاء أي من تلك المنطقتين هو ليس من باب التحدي للمشاعر الإنسانية أو العواطف الأخوية أو الالتزامات القومية ، بل هو من باب المنطلق الواقعي الذي يعتمد على ديمومة كيان الدولة وحماية شعبه ، الذي أصبح يتعرض للخطر في المدن والقرى الحدودية الشمالية بشكل خاص .
والقوات المسلحة كما هو معروف مسؤولة عن مواجهة التهديد الخارجي ، سواء كان على الحدود أو في عمق أراضي الخصم إذا دعت الحاجة . وكذلك للأجهزة الأمنية دور كبير في الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد ونحن نثق بكليهما . ولكنني في هذا المقال سأركز على قضية هامة تغض النظر عنها حكومتنا الموقرة ، تتعلق باللجوء السوري في الأردن . هذا اللجوء الذي أصبح قنبلة موقوتة تنذر بالانفجار داخل البلاد في أية لحظة ، لما لها من ضغوط على البنية التحتية ، والتجارة ، وسوق العمل ، والسكن ، والطبابة ، والتعليم ، والمياه ، وعلى النواحي الأمنية وارتباطها بالتهديد الخارجي بشكل غير مباشر . لقد بلغ عدد اللاجئين السوريين المقيمين في المخيمات وخارجها في المدن والأرياف الأردنية حسب آخر الإحصائيات ، ما يزيد عن 4 ملايين نسمة ، أي بنسبة 40 % من سكان البلاد الأصليين ، وهو أمر لا تقبله أية دولة تحرص على أمنها واستقرارها .
ومن الأمور اللافتة للانتباه ، أن الدول العربية لم تستقبل أي مجموعة من هؤلاء اللاجئين ، بل استقبلتهم الدولة الأردنية وكأنها منظمة إنسانية ، مهمتها فتح أبوابها لكل من هُجّر من وطنه في مختلف بقاع العالم ، متناسية محدودية المساكن وضعف الامكانيات اللوجستية والمالية . والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الموقف هو : لماذا لا تستقبل الدول العربية الأخرى نسبة من هؤلاء اللاجئين على أراضيها التزاما بمسؤولياتها القومية ، والتخفيف من الأعباء الثقيلة التي يواجهها الأردن ومواطنوه ؟
لقد شكى المسؤولون الأردنيون مرات عديدة ، من عدم وصول الدعم المالي الكافي من دول العالم لأغراض رعاية هؤلاء اللاجئين ، كما أعلنت المنظمات الإنسانية قبل أيام أنها قد تتوقف عن تقديم الدعم الإنساني لهم في وقت لاحق . وإذا ما حدث هذا فإن الأردن بإمكانياته المحدودة سيتحمل العبء بكامله على حساب مواطنيه وموازنته المرهقة .
وللخروج من هذا المأزق لابد من إناطة هذه المسؤولية بالأمم المتحدة ، وترحيل اللاجئين السوريين إلى أراضيهم ، ليتحمل العالم مسؤولية إيوائهم وحمايتهم ، وبالتالي حل مشكلتهم مع النظام السوري الحالي أو أي نظام يخلفه . وقد يتم ذلك من خلال إيجاد ” منطقة عازلة ” أو ” منطقة آمنة ” داخل الأراضي السورية في منطقة درعا أو السويداء . ولكي نصل إلى القرار المناسب في اختيار أي من المنطقتين التي يجب أن نطالب بإنشائها ، علينا أن نتعرف على حيثياتهما من خلال المعلومات التالية :
• المنطقة العازلة . يتم فرض هذه المنطقة عادة في النزاعات المسلحة بين الدول المتحاربة وأثناء الهدنة ، من اجل حفظ الأمن ومنع الاشتباك والتسلل والتهريب وغيرها من القضايا الحدودية . ويتطلب إنشاءها قرارا من مجلس الأمن الدولي ، على أن يشمل تخصيص قوات أرضية لحمايتها ، وفرض حظر جوي في سمائها . ولكن قد يتم فرض هذه المنطقة بالقوة من جانب واحد في بعض الظروف ، كما فعلت إسرائيل بإنشاء شريط حدودي في جنوب لبنان خلال ثمانينات القرن الماضي .
• المنطقة الآمنة . تفرض هذه المنطقة أيضا من قبل مجلس الأمن الدولي بناء على توصية من منظمات حقوق الإنسان ، من أجل حماية مجموعة من الناس ذوي الحقوق المهدورة ، والذين يتعرضون للتعذيب والقتل والدمار ولا يستطيعون حماية أنفسهم . ويجب أن تسمح تلك المنطقة بتدخل المنظمات الإنسانية لتقديم العون لسكانها من خلال ممرات آمنة ، كما تتطلب حماية عسكرية برية وجوية ، ولا يسمح بتحليق الطائرات العسكرية فوقها ، وقد يعهد لدولة أو اثنتين بتنفيذ هذا القرار بالقوة .
يتضح مما تقدم أن الخيار الأكثر قابلية للتطبيق من أجل التخلص من عبء اللاجئين السوريين ، هو في تقديم الأردن طلبا إلى مجلس الأمن الدولي لإقامة ” منطقة آمنة ” في منطقة درعا أو السويداء دون تمدد للحدود الأردنية ، وهو ما يشكل مصلحة استراتيجية أردنية . وهذا الخيار الذي أيدته فرنسا وبريطانيا وتطالب تركيا بإقامة مثله في شمال سوريا يحتاج إلى إجماع دولي ، يتضمن موافقة روسيا والصين وإيران. ورغم أن الولايات المتحدة ما زالت مترددة في قرارها حتى الآن ، تحسبا لوجود 5 آلاف جندي أمريكي في العراق يشكلون رهينة بيد الإيرانيين ، إلا أن وزير الخارجية الأمريكي قدم اقترحا لروسيا يؤيد مطلب تركيا بإقامة ” منطقة آمنة ” في شمال سوريا . وما زالت الأمور تحت البحث بانتظار قرار جماعي تصدره الدول الكبرى .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.