فضيحة القمح في وزارة الصناعة والتجارة
قال تعالى في محكم كتابه: [وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً] صدق الله العظيم. لقد سقطت ورقة التوت وانكشف الستار عن شحنة القمح البولندية المرفوضة ، عندما تصاعد الدخان الأبيض من فوق سطح وزارة الصناعة والتجارة في حكومتنا الموقرة. وكان الفضل في كشف الستار عن ذلك الدخان ، يعود لجريدة الغد التي تمكنت من اقتحام حصن الوزارة والحصول على صورة الكتاب ، الذي شكَلتْ به الوزارة لجنة لإعادة تصدير شحنة القمح البولندية . تلك الشحنة التي سكنت في صوامع العقبة لفترة تزيد عن خمسة أشهر ودار حولها لغط كبير .
من المعروف أن العقود التجارية بين الدول تُصاغ من قبل الخبراء والقانونيين ، بحيث تتم المحافظة على حقوق الدولة من حيث جودة المادة وملائمة أسعارها ومدد التسليم إلى غير ذلك من الشروط الهامة . من بين تلك الشروط التي يتم الاتفاق عليها عادة أن يدفع المشتري 10 % من قيمة العقد الإجمالية عند التوقيع ، ويدفع باقي المبلغ إما كاملا عند التسليم ، أو على دفعات حسب توريد الكميات المتفق عليها ، على أن تكون مطابقة لشروط العقد وتجتاز الفحوصات المطلوبة في جميع الأحوال . ومن اللافت للانتباه أن وزارة الصناعة والتجارة قامت بدفع كامل قيمة الشحنة والبالغة 15,130 مليون دولار سلفا قبل استلام البضاعة وقبل فحصها مخبريا .
وهنا فإن الأسئلة التالية تطرح نفسها: هل نحن دولة متحضرة تطبق القواعد المطلوبة للعقود التجارية عند ابرامها، أم أننا دولة متخلفة تماثل بعض الدول الإفريقية التي ينخرها الفساد حتى العظم ؟ كيف تم عقد هذه الاتفاقية ؟ ومن هي اللجنة التي قامت بعقدها ؟ وهل هي مؤهلة لذلك أم أنها تجاوزت الخطوط الحمراء ؟ كيف دفعت الوزارة ثمن الشحنة كاملا قبل استلامها واجتيازها للفحص المخبري المطلوب ؟ كيف ستسترد الحكومة هذا المبلغ ( الزهيد ) أم أنها معتمدة على جيوب المواطنين لتأدية مستحقاته؟ أين دائرة مكافحة الفساد ومنظومة النزاهة والشفافية وديوان المحاسبة ووزارة المالية ومجلس النواب ورئاسة الحكومة عن هذه المهزلة المكلفة ؟ هل هي مؤسسات وطنية مهمتها الحفاظ على مصالح الوطن والمواطنين ؟ أم هي مؤسسات ديكورية تشاهد تبديد أموال الشعب والإضرار بغذائه وتغض النظر عنه ؟
لا شك بأن هذه الشحنة تثير شبهات كبيرة . فدولة الرئيس يطلب منا نحن الشعب أن نثبت له قضايا الفساد، وهنا نسأل دولته ما رأيه بما يحدث في عقر دار حكومته ، مثبتا بكتاب وزارة الصناعة والتجارة رقم 50 / 2014 / 43 / 18990 تاريخ 24 / 6 / 2015 ؟ فهل هي قضية فساد أم قضية فهلوة تقوم بها لجان لا تخاف الله ؟ وهل هذا يحقق ما يطلبه دولة الرئيس وهو القائل لا حماية لفاسد؟
هذه الفضيحة التجارية يتحملها بالدرجة الأولى دولة رئيس الوزراء ووزيرة الصناعة والتجارة . ويجب أن يفتح بها تحقيق على مستوى عال ومن جهات محايدة ، للوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن إهدار أموال الدولة في عقود عبثية تثير الشبهات . لو حدثت هذه الفضيحة في دولة محترمة ، لأطيح برئيس الوزراء ووزيرة الصناعة والتجارة ولجنة المشتريات وهيئات الرقابة التي لم تمارس دورها الوطني المطلوب بأمانة خلال اسبوع .
الوزيرة السويدية ” مانا سالين ” على سبيل المثال ، أدانها القانون السويسري قبل بضعة أشهر ، بملء خزان وقود سيارتها الخاصة بالبنزين مستخدمة بطاقة الصرف الحكومية الممنوحة لها ، بقيمة لا تزيد عن 60 دولارا لكونها نسيت بطاقتها الخاصة في المنزل ، وأثبتت أنها أعادت المبلغ في اليوم التالي . إلا أن القانون السويسري أعتبر هذا التصرف استغلالا للمال العام ، فاضطرت الوزيرة لتقديم استقالتها فورا . ماذا نفعل نحن إزاء صفقة مرفوضة بملايين الدولارات ؟ وهل تشكل استقالة الوزيرة السويدية عبرة تقتدي بها وزيرتنا المبجّلة ؟
لست مطلعا على تفاصيل اتفاقية الشراء لهذه الشحنة ، ولكنني أعتقد أنها لن تعاد إلى مصدرها ولن يعاد المبلغ الذي دفع ثمنا لها ، مضافا إليه رسوم التخزين التي زادت عن ربع مليون دينار . والسبب باعتقادي أن لجنة الشراء كبّلتنا في الاتفاقية بشروط تجعلنا نرفع راية بيضاء أمام الشركة . فالقمح الغير صالح للاستهلاك البشري وحتى الحيواني ، سيغزو أسواقنا بتدبير وطرق ملتوية يتقنها تجار السموم . ثم سيجد طريقه إلى أفواهنا ونأكله حامدين شاكرين لحكومتنا الطاهرة على نِعَمِها ، التي تتكرم بها علينا بين حين وآخر . . !
في الختام أتوجه إلى صاحب القرار جلالة الملك عبد الله الثاني – إن كان سيسمع صوتي – في هذا الشهر الفضيل ، أن ينقذنا من هذه الحكومة التي تجثم على صدورنا منذ ما يقارب الثلاث سنوات ، فأهلكت الضرع والزرع ، وأفرغت جيوب المواطنين من ترياقها المحدود . وبهذه المناسبة أحب أن أذكّر ببيتين من الشعر ، من قصيدة لشاعر الأردن مصطفى وهبي التل ، وجهها في حينه إلى جلالة الملك عبد الله الأول رحمه الله في مثل هذه الظروف :
مولاي شعبك مكلوم الحشا وبه * * من غض طرفك والإهمال داءان
مولاي إن المطايا لا تسير إلى * * غاياتها إن علاها غير فرسان

