صحيفة الكترونية اردنية شاملة

ليست صعبة ولكنها لا تبدأ

0

أرادت إحدى دول المشرق العربي قبل حوالي 15 عاما ان تبعد التلوث الهوائي الناتج عن محركات الديزل التي كانت مستخدمة على السيارات التي كانت تنتتشر في تلك العاصمة، فلجأت في حينه الحكومة إلى وضع خطة متكاملة ربطت فيها ما بين إتخاذ قرار حكومي كان الإرادة السياسية اللازمة، وحدد زمنا معينا للإنتهاء من استخدام محركات الديزل، وجاء الشق الثاني باستعداد الحكومة لتعويض صاحب كل سيارة بقيمة المحرك الذي يعمل على البنزين ووضعت المخصصات اللازمة لاستبدالها كلها للدلالة على جدية الطرح، وبعدها تم تحديد تاريخ البدء بالاستبدال، ومن ثم وضعت النشرات الاعلامية للتسويق للك، وخلال فترة تقل عن سنة كانت السيارات قد استبدلت محركاتها، وانتهت سحب الدخان الاسود من الظهور في سماء تلك العاصمة، وعادت لها أشعة شمسها الطبيعية، أما مبانيها فقد توقف هبوط طبقة السخام الأسود على واجهاتها فسهل على من أراد أن يزيل ما ترسب عليها فغدا منظرها أفضل والطف.
أخذني مشوار وواجب إجتماعي من عمان إلى دير ابي سعيد مرورا بجرش ومثلث النعيمة والحصن ثم دير ابي سعيد والعودة قبل الغروب، ومررت في تلك الرحلة بسيارات لم أحص عددها تنفث دخان عوادمها من الغيوم السوداء بشراسة تلف مؤخراتها، ويتنشقها كل من سار خلفها ، والأدهى من كل هذا أنني شاهدت لدى وصولي في طريق العودة من دير أبي سعيد إلى المرتفعات قبل الحصن بان هناك سحابة سوداء تملأ سماء إربد في لحظات الغروب، وتمتد للأسف شرقا حتى ما بعد مثلث النعيمة، وكانت السحابة جاثمة فوق هذا السهل الحوراني الغني بسنابل القمح الذهبية التي تتهيأ للحصاد.
أعرف أن هناك سحابة سوداء تتشكل يوميا فوق عمان و تمتد من غربها لشرقها، وهناك سحابة أخرى تلف الزرقاء، وأعرف أن معظم قادة الرأي في صحفنا المحلية قد تطرقوا لمثل هذا الموضوع، وأعرف أنه خرجت علينا وزارة البيئة قبل سنوات بتصور للمراقبة على السيارات التي تبث الدخان الأسود، وأعرف أن هناك من انبرى للدفاع عن السائقين مثلما فعل معظمهم وقاموا بتحميل نوعية الديزل السيىة لأسباب هذا التلوث، وتوقف الحديث فجأة وكأن المعالجة لهذا الموضوع البيئي كان ترفا فكريا وماليا يمكن للمواطنين أن يتحملوه، ولا نعرف إذا وضعت بعدها خطط مرحلية لتحسين نوعية الديزل أو غيرها من الإجراءات للتخلص من التلوث الهوائي في مدننا.
تدفعني عدم المعالجة الحكومية لمشكلة الديزل والغمامات السوداء فوق مدننا إلى السؤال متى سنتناول رسميا موضوعا مثل هذا وننجزه؟ وللأسف فإن ما ينطبق على الديزل والغمامات السوداء ينطبق على مواضيع كثيرة تحتاج إلى حلول متكاملة بدءاً من أن تتوفر لها الإرادة السياسية وخطة عمل وجهة تنفيذ ومتابعة وتوفير مخصصات ومواعيد إبتداء وانتهاء وقياس نتائج ومن ثم تسجيل نجاحات في كل ما نبدأه من عمل.
سيقول كثيرون بأنهم يعرفون بأن العمل الجاد والمفيد في بلدنا لا يجد من يؤازره، ويتوقف الأخذ بفكرته بعد طرحه بفترة وجيزة فتقف الفكرة بدلا من أن تستمر، فلا يتطور البلد ولا تتحسن شؤون الصحة والناس، ويعتقد كثيرون أنه ليس لأحد الجرأة في بلدنا على طرح مشروع حل يفيدنا في اي موضوع يهمنا مثل الموضوع البيئيي، وإن نجح أحد في أن يطرح أي مشروع فإننا نقوم بمعاقبة صاحبه وكأنه ارتكب الموبقات كلها، وليصبح بعد طرحه مطاردا وصاحب قصة يتناوله العامة والخاصة بالجرح والتشهير والتنكيل.
لا أعتقد أن للمنظمات الارهابية الخارجية أي يدٍ فيما يحدث لنا وبمن نفعله بمن يحاول إفادتنا، وكيفية محاربتهم جهلا وتعمدا، بل إن أن الإرهاب الوحيد الممارس فعلياً هو إرهابنا الداخلي الفكري والعملي الصادر من المجتمع والأفراد فينا والذين لا يرومون تحسينا ولا تطويرا بل إنحداراً لمستوى أي شأن عام في بلدنا لأن ذلك يسعدهم ذلك ويرضيهم أكثر ، وإن ما تناولته في البداية عن الديزل والسيارات واحد من المواضيع التي لا تؤذي من يتناولها مثلما يعتقد البعض (فيمن يتحدث في السياسة والأحزاب والإنتخابات وغيرها) ولكنها لا تجد في بلدنا من يؤمن بها ويحدث ذلك من شعب نتفاخر في أنه يقع بين الدول المتقدمة في اعداد المتعلمين فيه!!!
نحتاج إلى تغييرات كثيرة كثيرة لنسير في دروب إيجابية مفيدة في الشأن العام، ولكن دربنا طويل وأسباب ما نحن فيه من تخلف كثيرة بعض منها له علاقة بجهلنا باهمية قضايا الشأن العام، أوفي كيفية تناول اي موضوع منها، أوفيما تتم مجابهته من تدخلات لا مبرر لها ولكنها للأسف ستضر ببلدنا كلما أدت إلى تأخير طرح شيء مفيد هذا إذا لم تلغه.
أتمنى أن يتغير الحال وأن يجتمع المواطنون حول كل الشأن العام أو حول جزء من قضاياه، ففي ذلك إثراء للطروحات وإيجاد مشاركة شعبية تجعل الطرح وبلدنا اقوى وأنجح.
حمى الله بلدنا من شرورنا وسيئات اعمالنا وجهلنا ولا أباليتنا رغم تغنينا المستمر بحب الوطن بالأهازيج والتصريحات دون أن نتبنى طريقة عملية علمية أو مشروعا حقيقياً يفيده!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.