لماذا تكتب ؟
لماذا تكتب؟ سؤال طرحه عليّ بعض المعارف والأصدقاء في مناسبات عديدة . ولكن هذا السؤال ليس هو السؤال الذي يجب أن يطرح ، بل السؤال الحقيقي هو : لماذا لا تكتب ؟ فالكتابة من حيث المبدأ هي وسيلة للتعبير عن موقف أو رأي معين يختلج في صدر وفكر الكاتب ، يرغب البوح به نصحا أو نقدا لممارسة معينة أو تثقيفا لمن يقرأ . وقد يكون في بعض الأحيان صوتا لمن لا صوت ولا قلم له .
وهنا أجدني مضطرا لإجابة السائل سواء كان سؤاله استنكاريا أو بريئا فأقول : أكتب لأنني أحب وطني ولا استطيع خيانته ، وعليّ أن أدق ناقوس الخطر عندما تجنح سفينته نحو صخور الشاطئ ، واسعى في الوقت نفسه لتنبيه قبطانها ، وإيقاظ النيام من ركابها لمواجهة الخطر الذي يهددها من الخارج ، أو الخطر الذي يهدد بثقبها من الداخل .
من يكتبون بوحهم على الورق أو على صفحات المواقع الإلكترونية أو يتحدثون جهارا بصوت مسموع ، فإنما يدفعهم صدقهم لمصارحة صاحب القرار بحقيقة الشكوى ، أداء للأمانة التي يحملونها في قلوبهم حرصا على بلدهم . أما الصامتون فلا يعني صمتهم الموافقة على ما يجري فوق ساحة الوطن ، بل أن صمتهم يحمل ألما مكبوتا يعجزون في التعبير عنه ، إما جهلا بالوسيلة أو خشية من مساءلة موهومة .
فالكتابة هي رسالة نبيلة تحمل هموما وطنية ، وليست ترفا يمارسه الكاتب في وقت فراغه . إنها رسالة تشير إلى مواقع الخلل وتكشف الأمراض التي تعتري المجتمع ، على أمل أن يعيها صاحب القرار ويعالجها قبل أن تستفحل . أما من يشاهد الخلل ويغض الطرف عنه إنما هو عدو لوطنه ، ويعمل على تضليل صاحب القرار كما يخون أمانته المقدسة . والرسول صلوات الله عليه حثنا في حديثه الشريف على الإصلاح بقوله : “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان”.
وبما أننا لسنا من أصحاب القرار الذين يستطيعون إصلاح المنكر أو تصحيح الممارسات الخاطئة بفعل عملي ، فعلينا أن نقدم النصح بالكلمة المكتوبة إضافة للمسموعة ، ونشير إلى مواطن الخلل بهدف الإصلاح ، لعل المعنيين يدرسون ما يطرح ويتجاوبون معه إذا كان يصب في مصلحة الوطن .
وانطلاقا من واجبي الديني والوطني فإنني سأجيب على السؤال المطروح بعدد من الأسئلة التالية :
لماذا لا اكتب عندما تصل المديونية إلى أرقام فلكية تزداد يوما بعد يوم وتشكل خطرا على كيان الدواة ؟ لماذا لا اكتب عندما يتلاعب حيتان التجارة بالغذاء ، فأسمع في أوقات مختلفة عن شحنات كبيرة من القمح الفاسد ، تجول بها البواخر في ميناء العقيه بين معارض ومؤيد لقبولها ، تؤدي بالتالي إلى خسارة الدولة ملايين الدنانير نتيجة لعقود مجحفة ؟ لماذا لا اكتب وأنا أرى المسؤولين في الدولة يتصرفون وكأنهم في دولة نفطية ، فيتسابقون في امتطاء صهوة الطائرات متنقلين بين مختلف مدن العالم ، بحجة المشاركة بمؤتمرات عقيمة لا فائدة منها إلا لسياحة اصحاب الذوات ؟ لماذا لا اكتب وأنا أشاهد وجوها سئمنا رؤيتها ، يجري تدويرها على مختلف المناصب ، دون مبادرة أو تجديد منهم في الفكر أو الأداء ، بل لرغبات شللية بغيضة ؟
لماذا لا اكتب وأنا اسمع بالإصلاح والتطور المزعوم، بينما لا يلمس المواطن أي أثر لذلك في تحسين مستوى معيشته ، فالبطالة عالية بين الشباب ، والتوظيف في الجهاز المدني ما زال مغلقا ، وجيوب الفقر تتوسع ، وارتفاع اسعار الحاجيات دون ضوابط ينهك المواطنين البسطاء ؟ لماذا لا أكتب عندما تنتشر آفة المخدرات ويزداد التعليم تدهورا في المدارس والجامعات الرسمية والأهلية ، وعلى رأسها انتهاك حرمة أسئلة التوجيهي في وضح النهار قبل موعد إعلانها ؟ لماذا لا اكتب عندما نُبتلى بمفاعلين نوويّن خطيرين يكلفان ما يزيد على 20 مليار دينار ، في ظل توفر البديل الرخيص والآمن من الطاقة المتجددة وفي ظل معارضة شعبية شاملة ؟ لماذا لا أكتب عندما يستولي أحد المتنفذين على عشرات الدونمات من أراضي الدولة في دابوق دون مساءلة عن فعله ، لا بل تقدم له وظيفة عليا تكريما لما أقدم عليه ؟ لماذا لا اكتب عندما اقرأ في وسائل الإعلام بأن احد رؤساء الوزراء السابقين ، أقام حفل زواج لابنه بكلفة نصف مليون دينار ، دون أن يُسأل من أين لك هذا ربطا مع خلفيته المالية السابقة ؟ والأمثلة على ما تقدم ليس لها حدود . . !
وعندما اكتب . . أعلم بأن مسؤولينا يقرأون ولكن لا يستجيبون، باعتبارهم العلماء والخبراء في كل المجالات، ولا يحتاجون إلى نصيحة أو حتى لفت انتباه من أحد . الدول المتحضرة تنشئ مؤسسات خاصة لدراسة ما يكتب في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية لتعرف مواقع الخلل ، وتستنبط منها الدروس التي تخدم الوطن ، كما تقدم الشكر للناصحين والكتاب ، بينما تضعهم حكومتنا في قائمة المناكفين والمعارضين الذين لا يُسمع لهم كلام .
ختاما اجيب على السؤال الذي يتوج هذا المقال ، بأنني سأستمر بالكتابة في قضايا الوطن حيثما لزم ، سواء استجاب المسؤولون أم لم يستجيبوا لها ، لأنني أصرّ على كوني وفيا لوطني ، بإطلاق الكلمة التي أومن بها ، توعية لشباب المستقبل أمام الله والتاريخ ، رضي من رضي وغضب من غضب .

