ثقافة وطنية بلا شروش
اقصد (بالشروش ) الجذور، اي انني اريد القول بان ثقافتنا الوطنية في الاردن تفتقر الى الجذور ، لانها وعلى امتداد عقود من قيام الدولة قبل حوالي قرن ، خلت من فترات الاهتمام بالتراث والتاريخ المحلي الاجتماعي والسياسي والثقافي . لقد اقتصرت الثقافة التعليمية في المناهج الدراسية على معلومات مختصرة جداً عن الثورة العربية الكبرى ، ولم تأت على ذكر التحديات التي واجهت الدولة عند قيامها . لقد سادت سياسة ( وكفى الله المؤمنين شر القتال ) على ساحة الثقافة الوطنية وفي عملية بناء الوعي الجمعي للاردنيين …. تُركت وأهملت فصول كاملة من تاريخ الاردن وشعبه ، من استقبال الثوار الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش الى مساندة ثوار فلسطين بالسلاح . لقد غُيبت سيرة رجال مثل نيازي التل ( الذي حكم ديار بكر في عهد الدولة العثمانية ) والشيخ عودة ابو تايه الذي قاد جيش الثورة العربية من معان الى أقصى شمال سوريا الى جانب لورنس ، وعلي خلقي الشرايري احد اهم قادة الأركان في الجيوش العثمانية وقائد حاميتي مكة والمدينة المنورة ، وسلطان وماجد العدوان اللذان قادا اول ثورة اصلاحية في بداية قيام الدولة الاردنية. ومثقال الفايز وحديثه الخريشا ومنور الحديد الذين تصدوا لهجمات (الخويا) على ابواب عمان ، وحسين الطراونه وراشد الخزاعي وكليب الشريدة والشاعرمصطفى وهبي التل ، وشاعر بادية الشام والجزيرة العربية نمر بن عدوان ، وغيرهم من رجال الحكم والدولة ، من أمثال توفيق ابو الهدى وهزاع المجالي ووصفي التل وسمير الرفاعي الجد .
هذا الاهمال والتجاهل قدم خدمة لأجيال من الساسة والاعلاميين العرب الذين ، وعلى خلفية انتماءات سياسية وحزبية ، أنكروا ان يكون للاردن كيان وطني ، لا في اطار سايكس – بيكو ولا قبلها ، بل انهم أنكروا وجود شعب اردني ، حيث اختزل هذا الشعب بكل تكويناته الاجتماعية وتراثه التاريخي بعبارة ( عشائر بدوية ) . وكأن هذا الوطن الذي تبلغ مساحته ثلاثة أضعاف مساحة فلسطين من النهر الى البحر هو ( ارض بلا شعب ). واذكر انه في ذروة الخلافات مع عدد من الدول العربية كان قد استخدم ، في الندوات والإعلام ، اصطلاح ( في الاردن ) مثل القول الحزب الفلاني الاردن والرابطة الفلانية في الاردن ، عند التطرق في الحديث عن مؤسسة حزبية او ثقافية بدل استخدام كلمة ( الحزب الاردني .. اوالرابطة والنقابة الاردنية ) وكأن هذا الوطن منطقه صناعية حرة من يعيش فيها هي عمالة وافدة من مختلف الجنسيات .
وحتى اثناء احداث الربيع العربي قرأت تقارير في صحف اجنبية من مراسليها في عمان يستخدمون الاصطلاحات التي اشرت اليها ، التي تصر على تصوير الاردن بانه بلا شعب وتاريخ وبدون تراث . وهذا ما دفع كاتب قومي معروف هو الدكتور محمد المسفر ( من قطر ) الى دحض كثير من الصور النمطية السلبية عن الاردن عندما عدد في مقالة له ، بعض معالم التاريخ المتعلقة بهذا البلد مثل كونه الارض الذي وقعت على ترابه اهم معارك المسلمين ضد الروم ، معركة مؤته ومعركة اليرموك . وبانه الارض التي دفن فيها أبا عبيدة عامر ابن الجراح وشرحبيل بن حسنة ومعاذ بن جبل وجعفر الطيار .
من البتراء الى ام قيس وجرش وعمون ومأدبا والمغطس في نهر الاردن ووادي موسى وقلعة الكرك ومزار مؤتة ومعان ووادي شعيب ( واصحاب الأيكة ) وصبحا وصبحية وأم الجمال والسخنة والزرقاء ودابوق وحسبان ، مر التاريخ وحضاراته وممالكه وحروبه من هذه المعالم والحواضر والقرى الاردنية . … ان خارطة الاردن الجغرافية والتاريخية هي سجل مفتوح يطل على الزمن في الماضي والحاضر ليُلهم عملية بناء ثقافة وطنية ، تعتمد احترام الجذور واعادة الحياة اليها بعد ان طمرت تحت التراب بفعل وعي رسمي وغير رسمي خاطئ ، اقل ما يقال فيه انه يُصدق مقولة ان الاردن ( وجد من العدم ). ونرى كذلك من يتحدث عن طبيعة الاردن الجميلة وتنوع مناخاته وكأنه يكتشفه الان ، لـما استقر في وعيه من ثقافة جعلته يحفظ معالم اي بلد في العالم اكثر من معالم بلده . والحقيقة ان هبوط صناعة الاعلام وتشوه الحرية فيه وغياب الرؤيا الوطنية عنه ساهم في كل هذا الجهل والتجاهل .
وسط هذا التمزق في الوطنيات والثقافات الجامعة من حولنا يثبت الاردن وشعبه انه ارض خصبة للتوافق والتنوع والوحدة وليس مكانا ككل الامكنة التي استقبلت الفتن والشرور وحالات إنكار الوطن والوطنية . وقد يقول قائل بأنني اتحدث عن احلام وسط عالم من الكوابيس ، ليكن ، لان الأحلام تصبح وقائع محسوسة ان تعلمنا كيف نصنع من الأشياء الممكنة حالة من الوعي الشعبي الجمعي الذي يدفع باتجاه الوحدة لا الانقسام ، بالحفاظ على الوطنية لا بالتفاخر في تمزيقها . واول درس يجب ان نتعلمه ان الثقافة الموروثة ، في الاجتماع كما في الدين ، هي أقوى في تأثيرها بالرأي العام من خطابات السياسيين وشعارات الاعلام المسير . ان بعث مقومات ثقافة وطنية أردنية بأبسط اشكالها ، من الأغاني الشعبية الى التفاخر بالتاريخ الوطني واعلامه الكبار ، بالمناهج ، وباقامة النصب التذكارية في الشوارع والمتنزهات الوطنية ، هو في نظري اهم من التنظيرات السياسية التي لا تلامس العقول والقلوب .

