أزمة الجنوب تشق صفوف اليسار التونسي
يعاني الائتلاف اليساري في تونس “الجبهة الشعبية” حالة انقسام كبيرة، على ضوء الاختلافات العميقة بين مكوناته في قراءة التطورات السياسية والأمنية التي تعصف بالبلاد مؤخرا وخاصة بالجنوب، ما بات يهدد بتفككه.
وظهر هذا الانقسام إلى العلن عندما تم تسريب وثيقة طرحها أحد أبرز مكونات الجبهة في اجتماع للأمناء العامين، والتي تضمنت ضمنيا دعم حراك “شعب المواطنين” الذي يقوده الرئيس السابق المنصف المرزوقي في الجنوب، عبر حملة “وينو البترول” وغيرها من الحملات التي اتخذت عناوين مختلفة للإطاحة بحكومة الحبيب الصيد.
وليست الخلافات بين مكونات التحالف اليساري المشكل من عدة أحزاب يسارية وأيضا قومية (11 حزبا) وليدة اللحظة بل تعود إلى فترة تشكيل حكومة الحبيب الصيد، حيث انقسمت فيما بينها بين مؤيد لدخول الحكومة ورافض للأمر بتعلة اختلاف البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لحزب نداء تونس وأيضا بسبب مشاركة حركة النهضة لاعتبارات أيديولوجية.
وأحدثت الوثيقة المسربة ضجة كبيرة في الأوساط السياسية والشعبية التونسية، كما كشفت عن حجم الانقسامات بين أقطاب اليسار وخاصة بين حزب العمال التونسي الذي يتزعمه حمة الهمامي وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد الذي أسسه الحقوقي شكري بلعيد الذي تم اغتياله في فبراير 2013.
وفيما نفى حمة الهمامي أن تكون الوثيقة طرحت في اجتماع الجبهة أو أنه تم اعتمادها، يؤكد القيادي بـ”الموحد” والنائب عن الجبهة الشعبية بالبرلمان منجي الرحوي أنها اقترحت بالفعل وأن أحد الأطراف تقدم بها إلا أنه تم رفضها شكلا ومضمونا، مؤكدا على أن الجبهة ليست في وارد دعم الحراك الحاصل في الجنوب وغيره لطبيعته “المشبوهة”.
وتشهد بعض الولايات في الجنوب التونسي على الحدود مع ليبيا تحركات احتجاجية تطالب بالكشف عن الثروات الطبيعة بالبلاد تحت عنوان “وينو البترول”.
هذه التحركات تصاعدت موجتها في اليومين الماضيين، خاصة في مدينة دوز، حيث عمد المحتجون إلى حرق مراكز أمنية والاعتداء على أمنيين (4 جرحى)، الأمر الذي دفع بالسلطات إلى فرض حظر تجوال، وسط تصاعد مخاوف من استغلال متطرفين هذا الوضع لإحداث الفوضى بالبلاد.
وأعلنت وزارة الداخلية التونسية، مساء الجمعة، فرض حظر تجوال ليلي بدوز، قائلة في بيان لها “تبعا للأحداث الدائرة بمدينة دوز من ولاية قبلي وحفاظا على الأمن العام وأرواح المواطنين وأرزاقهم، تقرّر فرض حظر التجوّل على الأشخاص والعربات بالمدينة المذكورة اعتبارا من اليوم (..) بداية من الساعة الثامنة مساءً (19.00 تغ) إلى الساعة السادسة صباحا (05.00 تغ)، ويستثنى من ذلك الحالات الصحية العاجلة وأصحاب العمل الليلي”.
وأفاد مسؤول محلي أن مواجهات ليلية بدأت منذ الثلاثاء الماضي بين محتجين وقوات الأمن “إثر منعهم من (التسبب في) وقف إنتاج شركة غاز أجنبية تقع في الصحراء على بعد 25 كلم من مركز مدينة دوز، أو الاعتصام داخلها”.
وأوضح أن عدد المحتجين ارتفع من عشرات في بداية الاحتجاجات إلى “بضعة مئات ليلة الخميس والجمعة بعدما “ساندهم” سكان من قرى مجاورة.
وأغلق المحتجون طرقات بعجلات مطاطية مشتعلة ورشقوا بالحجارة والزجاجات الحارقة قوات الأمن التي ردت عليهم بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع، بحسب المسؤول.
ومنذ الشهر الماضي أطلق نشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي حملة “وينو (أين) البترول؟” طالبوا فيها الحكومة بـ”كشف ملفات الفساد في قطاع الطاقة”.
ويقول هؤلاء إن بلادهم التي تقع بين جارين نفطيين هما ليبيا شرقا والجزائر غربا تملك ثروات مثل جارتيها لكن “شركات أجنبية تنهبها” وهو أمر تنفيه السلطات.
ومن ناحيته، قال رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد “الذي حدث في دوز غير مقبول مهما كانت الطلبات، والدولة لن تتسامح في هذه الأمور”.
ودعا الشباب إلى “توخي الهدوء والصبر”، مضيفا “ليس عندنا عصا سحرية كما قال البعض ولا يمكن أن نغير الأمور ما بين صبح وعشية”.
ويشير العديد من المسؤولين والسياسيين بأصابع الاتهام إلى الرئيس السابق المنصف المرزوقي بالوقوف خلف التطورات الخطيرة بالجنوب التونسي، واستغلال الأوضاع الاجتماعية الصعبة بهذا الشطر لأغراض سياسة ضيقة.
وتقول مصادر مطلعة من داخل الجبهة إن بعض الأحزاب اليسارية تسعى اليوم إلى الاصطفاف بجانبه، في تجربة شبيهة بـ18 أكتوبر، فيما يشدد آخرون على رفض السير بهذا الاتجاه نظرا لمآلاته الكارثية، خاصة وأن المتطرفين داخل البلاد وعلى الجانب الليبي يتربصون بالبلاد محاولين استغلال أيّ فرصة لإدخال فوضى بها.
وتجربة 18 أكتوبر هي تحالف تم في 2005 بين قوى علمانية ويسارية من ضمنها حزب العمال التونسي وإسلاميين “حركة النهضة” للإطاحة بنظام زين العابدين بن علي.
وقد أثرت هذه التجربة على وحدة اليسار في تونس المهترئة بطبعها، وأعلنت آنذاك معظم القوى والشخصيات اليسارية تبرّأها منها ومن مشاركة أطراف بها، باعتبار الاختلاف الجوهري بين مكوناتها.
واستمر السجال حول التحالف اليساري الإسلامي الآنف ذكره إلى ما بعد ثورة 14 يناير، حيث دعت حركة النهضة قبل وبعد تسلمها الحكم إثر أول انتخابات تشهدها تونس ما بعد بن علي المكونات اليسارية إلى إعادة تفعيل هذا العمل السياسي المشترك بيد أن اليسار كانت مواقف تشكيلاته متذبذبة نتيجة خضوعها للمتغيرات المتلاحقة التي فرضت انقلابات جذرية في المشهد السياسي التونسي وبات ما كان مرفوضا خلال حكم الترويكا خاصة مقبولا لدى البعض اليوم.

