صحيفة الكترونية اردنية شاملة

منهجية التجنيد ومسار الخدمة العسكرية في توجيهات الملك

0

وجه جلالة الملك عبد الله الثاني القائد الأعلى للقوات المسلحة رسالة إلى معالي رئيس هيئة الأركان المشتركة بتاريخ 1 / 6 / 2015 أوضح بها : ” أن الحاجة تستدعي إعادة النظر بمنهجية التجنيد ومسار الخدمة العسكرية للضباط ، تعزيزا لقدرات القوات المسلحة والارتقاء بمستوى منتسبيها . . . ورفد مسيرة الوطن بكفاءات وخبرات وإمكانيات شبابية منضبطة . . . تؤهلها للانخراط فيما بعد في قطاعات العمل داخل الوطن وخارجه ليكونوا فرسان المستقبل ” .
استجاب رئيس هيئة الأركان للتوجيهات الملكية وأعلن عن إطلاق ” برنامج فرسان المستقبل ” الذي سيوفر للشباب من خريجي الجامعات ، مسار خدمة مرحلية لمدة خمس سنوات كضباط في القوات المسلحة يجري خلالها صقلهم وتأهيلهم للعمل داخل الوطن وخارجه.
ورغم وجاهة وأهمية هذا الإجراء من حيث استيعاب أعدادا من خريجي الجامعات ، ومعالجة جزءا من معضلة البطالة بين الشباب إضافة للفوائد الأخرى . ولكن تلك الاستجابة كانت جزئية لما ورد في توجهات الملك ، إلا إذا كانت هناك امورا أخرى أحيطت بالسرية ولم تفصح عنها الرسالة الجوابية . فقد اشتمل التوجيه الملكي على ناحيتين هامتين هما : منهجية التجنيد ، ومسار الخدمة العسكرية للضباط . فرسالة رئيس هيئة الأركان أجابت على الجزء الأول ولكنها لم تتطرق للجزء الثاني ، والذي يهدف إلى تعزيز الاحترافية والاقتدار والكفاءة العسكرية التي نوه لها جلالته .
وإن كنت أثمن ما ورد في الرسالة الجوابية من إطلاق ” برنامج فرسان المستقبل ” إلا أنني أرغب بإبداء بعض الملاحظات حول مسار الخدمة العسكرية ، ليس من باب النقد بل من باب الحرص على اكتمال الصورة التي تساعد على تطوير القوات المسلحة ، معتمدا على خبرتي السابقة ومتابعاتي فيما بعد في هذا المجال ، ومنها ما يلي :
1. تضخم الرتب العسكرية . فمن الملاحظ أن هناك تضخما في الرتب العليا ( من عميد فما فوق ) بشكل تبدو أنها حمولة زائدة ، تعرقل مسيرة التطور في مختلف التشكيلات الميدانية والفنية والإدارية. وقد يكون هذا ناتجا عن فتح شواغر لا لزوم لها في بعض الدوائر العسكرية، إضافة إلى الترفيع التسلسلي دون تقييم حقيقي يحدد من يستحق الترفيع ومن يجب أن يقف عند حد معين بكل نزاهة وشفافية .
2. إعادة التقييم .
أ‌. يجب أن يجري تقييم الضباط بشكل دقيق خلال الخدمة العسكرية ، على أن يتم ذلك من خلال وقفتين مدة كل منهما 8 سنوات لكل من رتبتي المقدم والعميد . فرتبة المقدم هي الرتبة التي سينطلق منها الضابط لتولي القيادات المتوسطة على مستوى قائد لواء ومستوى مدير . ويجب أن لا يجتاز هذه الرتبة إلا من كان كفؤا لتولي أي من تلك المناصب بعد ان يتم تقييمه من قبل لجنة دائمة تشكل لهذا الغرض ممن عرفوا بنظرتهم المهنية .
ب‌. وكذلك في رتبة العميد حيث ينطلق منها من سيتولى قيادة فرقة أو إدارة مؤسسة كبيرة الحجم ، أو سيصبح مساعدا لرئيس هيئة الأركان وصولا إلى المركز الأول في وقت لاحق . هذه اللجنة يجب أن تكون برئاسة رئيس هيئة الأركان مع عدد من الضباط برتبة لواء ، لتقرير مدى ملائمة العمداء الموجودين في الخدمة لمثل تلك المناصب ، والاستغناء عمن يقل عنهم كفاءة لتقلد المناصب المتقدمة دون مجاملة تؤدي إلى تكديس تلك الرتب ، حيث تشكل معضلة فيما بعد عند اختيار أحدهم لملء شاغر معين ، فتضطر القيادة لاتخاذ قرار بإحالة أعداد كبيرة كي تصل إلى الشخص المناسب .
3. تحديد العدد المطلوب من الرتب العليا .
أ‌. رغم أن هذا مبين في الموازنات التنظيمية لكل تشكيلة أو مديرية ، إلا أن واضعيها يميلون غالبا إلى المبالغة في عدد الرتب الكبيرة . ولهذا على اللجنة أن تقرر عدد حاملي الرتب العليا من رتبة لواء وفريق وفريق أول التي يمكن أن تستوعبها القوات المسلحة بالنسبة إلى حجمها الإجمالي .
ب. ومع الأخذ بعين الاعتبار أن غطاء القوى البشرية في القوات المسلحة يتراوح بين 120 – 150 ألفا من مختلف الرتب ، إلا أن منح الرتب في القوات المسلحة وحتى في بعض الأجهزة الأمنية مبالغ فيه إذ وصل إلى رتبة مشير . ولو ألقينا نظرة على جيوش العالم ومنها الجيش الأمريكي ، الذي يصل تعداده إلى 1,5 مليون جندي عدا عن خفر السواحل وقوات الاحتياط ، من بينها 90 قاعدة عسكرية موزعة في مختلف أنحاء العالم ، لوجدنا أن أعلى رتبة يحملها رئيس الأركان المشتركة هي رتبة فريق أول ( 4 STAR GENRAL ) . ولا تمنح رتبة المشير ( 5 STAR GENERAL ) إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة إلا في زمن الحرب ، كما هو الحال مع الجنرال ايزنهاور خلال الحرب العالمية الثانية .
ج. أما في إسرائيل والتي يبلغ غطاء القوى البشرية فيها وقت الحرب حوالي 1,5 مليون جندي ، ويعتبر جيشها من أقوى جيوش المنطقة ، فإن أعلى رتبة يمكن أن يتقلدها رئيس الأركان هي رتبة فريق ( 3 STAR GENERAL ) ، علما بأنه لا يوجد لديهم كلية عسكرية لتخريج الضباط الأحداث ، كما هو معمول به في بقية جيوش العالم .
د. إن إغراق المجتمع بالرتب العليا عاملين ومتقاعدين مع ألقابها الممجوجة ، يقلل من هيبتها وقيمتها بين الناس . وهنا يخطر ببالي السؤالين التاليين : هل يجوز أن يكدس ذوي الرتب العليا بترفيعات متلاحقة حتى نهاية الهرم الوظيفي دون تقييم حقيقي ، ليجري إحالتهم على التقاعد بالجملة في وقت متأخر ؟ وهل يُعقل أن يُمنح مدير مؤسسة أمنية رتبة فريق أول ( 4 STAR GENERAL ) وهو يرأس جهاز لا يتجاوز عدد أفراده 30 ألف جندي ؟ من المعروف أن القيادة تمارس من خلال المنصب الرسمي والصلاحية الممنوحة لصاحبه ، وليس من خلال ضخامة الرتبة .
4. تأهيل الضباط وإعداد القيادات البديلة. من المفترض أن يحظى الضباط من مختلف الصنوف بدورات اختصاصية تأهيلية ، وأن تتاح لهم الفرصة بممارسة مختلف الوظائف ، بحيث يكتسبوا الخبرات اللازمة التي تؤهلهم للنهوض بمسؤولياتهم اللاحقة . ففي وحدات الميدان مثلا يجب أن
يمارس الضباط الوظائف القيادية والتدريبية والإدارية وهيئة الركن في مختلف المستويات . وفي الوقت نفسه يجب إيلاء القادة البدلاء أهمية خاصة ، بحيث يسهل سد الفراغ في مواقع الصف الأول عند الحاجة ، وتجنب حدوث إرباكات في مسيرة تلك المؤسسات .
5. الأوسمة التقديرية . تمنح الأوسمة عادة تقديرا لإنجازات مميزة واستحقاقات لما يقوم بها الضباط خلال خدمتهم الفعلية . ولكن منح الأوسمة حسب الكشف في مواسم معينة ، يصبح عملية ديكورية لتزيين صدور حامليها دون قيمة عملية تجعلهم يعتزون بإنجازاتهم . فكثرة الأوسمة بدون مبرر حقيقي يجعلها مناسبة للتندر من قبل المراقبين .
6. الثقافة العسكرية . صحيح أن كليات القيادة والأركان وكليات الدراسات الدفاعية تعمل على تثقيف الضباط عسكريا من ذوي الرتب المتوسطة الذين يشاركون بها وتؤهلهم بالثقافة للقيادة وعمل الأركان والتخطيط الاستراتيجي . ولكن الأمر يتطلب تثقيف جميع الضباط بالأمور العسكرية الاحترافية بصورة مستمرة ومع تقدمهم في الخدمة والرتبة . وهناك مجالان إضافيان يمكن اللجوء إليهما في هذه الحالة :
أ‌. مجلة الأقصى العسكرية . هذه المجلة في وضعها الحاضر عبارة عن ألبوم جامع للصور لا تحوي مقالات عسكرية أو ثقافية تنمّي أفكار قرائها من العسكريين وتزيد من احترافهم . وعلى المعنيين أن يشجعوا الضباط على البحث وكتابة المقالات المفيدة بما ينعكس على مسيرتهم العسكرية ، مقابل مكافآت مجزية تثمّن جهودهم الكتابية والفكرية .
ب‌. عمل برنامج زيارات دراسية لمواقع المعارك الإسلامية ومواقع معارك الجيش العربي ، إضافة لزيارات مواقع المعارك الشهيرة التي وقعت في أوروبا وأفريقيا وجنوب شرق آسيا في الحرب العالمية الثانية ، وكتابة تقارير توضح انطباعاتهم وإلقاء محاضرات على بقية زملائهم ، لبيان الدروس المستفادة من تلك الزيارات الميدانية لمواقع المعارك التاريخية .
7. إدامة التواصل مع الضباط السابقين .
أ‌. من الظواهر السيئة التي يتبعها بعض المسؤولين في المؤسسات الرسمية هي قطع الاتصال مع من سبقوهم من الزملاء إلى التقاعد ، حتى وإن كانوا رؤسائهم السابقين ، باعتبار أن صفحتهم قد طويت متناسين أنهم سائرون على نفس الطريق في وقت لاحق . فالمفروض أن لا يغلق المسؤول هاتفه أو يوصد باب مكتبه ، طالما أنه قبل ان يعمل عملا عاما يتعلق بقضايا الناس .
ب‌. ومن المستحسن أن يخصص المسؤول يوما مفتوحا ، أو ينشئ مكتبا خاصا في ديوانه لمقابلة من يرغبون ببحث نواح معينة . وعليه أيضا أن يعقد لقاءات مبرمجة مع كبار الضباط المتقاعدين ، لتدارس شؤون الوطن والاستفادة من تماسهم مع المجتمع المدني الذي يعيشون به في مختلف مناطق المملكة ، وإيضاح موقف القوات المسلحة منها .
ج‌. أما إذا كان الرجل الأول مشغولا دائما ولا يجد الوقت الكافي للاستماع إلى زملائه أو الاهتمام بآراء الآخرين ، فهذا يعني أنه يسيء إدارة الوقت ، ومن المرجح أنه يهدر وقته في أمور هامشية تمنعه من التفاعل مع قضايا الناس .
ختاما أقول بأن اتّباع النواحي الوارد ذكرها بأعلاه سيعزز كفاءة القوات المسلحة ، ويزيد من اللُحْمة بين العاملين والمتقاعدين ( الجيش الرديف ) من أجل مصلحة الوطن . وهذا ما يحقق الجزء الثاني من مطلب جلالة القائد الأعلى في تعزيز مسار الخدمة العسكرية ، وتأهيل القوى البشرية التي هي محور التطور في القوات المسلحة . ولا شك بأن النواحي التي تمت الإشارة إليها بأعلاه ، تنطبق بنفس الدرجة على الأجهزة الأمنية كما هو الحال في القوات المسلحة . وغرضها النهائي رفع كفاءتها العامة ، وتحسين قدرتها على حفظ الأمن والاستقرار في البلاد ، في هذه الظروف الحرجة التي تجتاح المناطق المجاورة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.