مناصب الدولة: السلام عليكم.. وبدون بخاطركم احيانا
وانا اتابع ما ينشر وما قيل ويقال عن استقالة القيادات الأمنية الثلاث: وزير الداخلية ومدير الامن العام وقائد الدرك ، وجدت القاسم المشترك المتداول هو القول (بغياب التنسيق بينهم ) . وقد اُتخذت هذه ، نقطة انطلاق للكتابات والتحليلات والحكايات الشفوية المتناقلة بين الطبقة السياسية والنخب الدائرة حولها . وهذا منطقي ، لانها لم تكن استقالة مسؤول واحد انما ثلاثة دفعة واحدة . واجزم بان هولاء المسؤولين لم يكونوا يعلمون ( باستقالاتهم او إقالاتهم) الا في اللحظات الاخيرة، وكنت بالصدفة قد شاهدت اثنين منهم في بيت عزاء قبل اقل من ساعة من سماع خبر استقالاتهم، وكان يبدو عليهما انهما في افضل حال، وقال لي من استمع إليهما انهما متفائلان ويتحدثان عن آفاق تتعلق بدورهما وعملهما.
لم يكونوا( الثلاثة) يعلمون بانهم يقفون في نهاية خط الخدمة ، هذا مؤكد، ومن الغريب ان يتصدى الآخرون في الاعلام وفي (مناسبات تقطيع الوقت ) لتحليل الأسباب وكأنهم يعرفونها. ومن الغريب اكثر، ان بعض الناس اعتبروا ذلك مناسبة للفرح والابتهاج بالتخلص من اهم القيادات الأمنية ، ولو راجعت نفسك قبل ايام وساعات فقط من هذا الحدث ، لكنت قد تذكرت بان اكثر العبارات تداولا بين الاردنيين هي : الحمد لله على نعمة الامن والامان في هذا البلد. حسنا .. اليس لهولاء الثلاثة بحكم مناصبهم خلال السنوات الاخيرة نصيب في وجود هذه النعمة !؟.
واعود الى قصة غياب التنسيق وأقول. انها بالفعل مشكلة، لكن ينبغي الاعتراف بانها قائمة منذ سنوات في مواقع عديدة في الحكم. لقد تداول الناس، قصصا تتكرر مع الايام، عن غياب التنسيق بين وزراء داخل الحكومة الواحدة، وبعضهم وزراء في فريق واحد لا يمكن للامور ان تسير في قطاعاتهم بشكل صحيح بدون التنسيق بينهم وبين وزاراتهم . سمعنا عن وزراء لا يكلم بعضهم بعضا !. ولم يعد خفيا ان بعضهم يتصرفون وكأنهم وحدهم وزراء الملك، اي وزراء (سينير) اما الاخرون فمن طبقة أدنى. لا اريد ان اطيل و أتعمق في التفاصيل، لكني أقول بان مشكلة (عدم التنسيق بين وزراء ومسؤولي القطاع الواحد) خطيرة لانها تشل الأداء وتعطل الوصول الى الأهداف. وكنت حتى استقالة القادة الامنيين اعتقد ان (القطاع الأمني) محصن منها. وبتصدي الملك لمعالجة الامر، بشكل علني وشفاف، يكون ( ملف عدم التنسيق) في الحكومة والإدارة قد وضع على طاولة الدولة والرأي العام.
طبيعة وظيفة رئيس الحكومة (على سبيل المثال) في الاردن تختلف في الدستور عنها في تونس، فرئيس الوزراء في الاخيرة يسمى (الوزير الاول) وكأنه عمليا أمين سر للوزراء الاخرين، بينما رئيس الوزراء الفعلي هو رئيس الجمهورية. في الاردن رئيس الحكومة هو (رئيس مجلس الوزراء) اي انه رئيس الفريق الوزاري كله، والوزراء هم فريق واحد في مجلس واحد، يتحمل المسؤولية عن قرارات وزرائه، جماعة وفرادى… كما يتحمل مسؤولية الأخطاء (جماعة وفرادى) إلا اذا سجل عضو منه اعتراضا داخل المجلس . وانا تحدث هنا عن الحكومة ( التي لا أحب ان اتحدث عنها ) لانه اذا كانت هناك مشكلة كبرى دفعت الى استقالة او اقالة اهم ٣ قياديين في الداخلية ، فماذا عن مسؤولية رئيس الحكومة بوجود عدم التنسيق ؟ او ليس هذا، من جانب آخر، يوضح بان هناك عدم تنسيق في العلاقة بين الرئيس، وبين القيادات الأمنية وعلى رأسها وزير الداخلية؟ ثم ان القاصي والداني يعرف بان الملك هو من اتخذ القرار الفعلي بالاستقالة او الإقالة، ألا يوضح ذلك بان خطوة (محاسبة الأخطاء لم تأت من الحكومة) وبالتالي اليس هذا مؤشرا على تقصير حكومي خطير تداركه الملك؟.
واخيرا .. تذكرت وانا اكتب هذه المقالة قولا سمعته من رئيس الوزراء الأسبق نادر الذهبي عندما زرته بعد تقديم حكومته لاستقالتها، قال: عندما يعين المسؤول بمنصب كبير قد يأتيه التكليف برسالة تأتيه على دراجة، عندها تقام الاحتفالات ويتوافد الناس للسلام عليه، ولا احد يسأله عن الطريقة التي كلف فيها بالمنصب الجديد. لكن عند استقالته من المنصب تبدأ الأسئلة بكيف ومتى ولماذا !؟
واضيف الى كلام نادر باشا ان مناصب الدولة عندنا هي : السلام عليكم … وبدون بخاطركم احيانا، ومن غير الله يعطيكم العافية في أحيان اخرى.

