بين المرأة الحديدية ورافع المديونية
بمناسبة فوز حزب المحافظين في الانتخابات البريطانية هذه الأيام ، تعود بي الذكرى إلى أوائل الثمانينات من القرن الماضي ، عندما كنت ملحقا دفاعيا للمملكة الأردنية الهاشمية لدى المملكة المتحدة. ففي تلك الفترة كانت السيدة مارجرت تاتشر والملقبة ” بالمرأة الحديدية ” رئيسة لحزب المحافظين ورئيسة للوزراء في الحكومة البريطانية .
وتاتشر هي المرأة الوحيدة التي تولت رئاسة الوزراء في تاريخ بريطانيا ، حيث امتد حكمها لأحد عشر سنة متوالية من عام 1979 وحتى عام 1990 . لُقّبت ” بالمرأة الحديدية ” نظرا لتطبيقها سياسات اقتصادية ليبرالية حازمة ، وشجعت على قيام اقتصاد حر ، وحافظت على حقوق العمال ، كما حافظت على وحدة البلاد التي تعرضت لهزات داخلية أثناء حكم حزب العمال السابق .
من الأمور التي اولتها تاتشر أهمية خاصة ، التضخم الذي وصل في البلاد عام 1980 إلى ما نسبته 21 % نتيجة للإنفاق العام المفرط والاقتراض الحكومي . وبفضل سياساتها الإصلاحية انتعش الاقتصاد خاصة بعد انتصارها في حرب الفوكلاند عام 1983 . فارتفعت شعبيتها وفاز حزبها بالحكم بأغلبية ساحقة ، وامتد لفترة ثالثة من 1987 إلى 1990 . كانت الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها في أواخر حكمها ، أنها كانت المحرّض الرئيسي لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية بوش الأب في شنّ الحرب على العراق.
لفت انتباهي خلال تلك الفترة التي أمضيتها هناك قصتان حدثتا بين تاتشر ومجلس العموم البريطاني وهما غايتي من هذا المقال . تتلخص الأولى بمشاركتها بمؤتمر عقد بواشنطن ، وبعده بأقل من شهر شاركت في مؤتمر آخر في باريس . وعند عودتها تعرضت لعاصفة احتجاج حادة داخل البرلمان من قبل حزب العمال المعارض ، حيث اتهمها بتبديد أموال الدولة في زيارات خارجية .
كانت إجابة تاتشر زعيمة الدولة الغنية عبرة كبيرة لمسؤولي الدول الفقيرة ، إذ قالت بأن هذين المؤتمرين يتعلقان بمصالح بريطانيا الحيوية ومدة كل منهما ثلاثة أيام . وبأنه قد رافقها للمؤتمرين شخصان فقط استقلت معهما الطائرة في الدرجة السياحية . وخلال وجودهم في العاصمتين نزلت هي في منزل السفير واستضاف موظفو السفارة مرافقيها للمبيت في منازلهم بدلا من النزول في الفنادق . وبذلك لم تتكلف الحكومة البريطانية سوى تذاكر الطائرة بالدرجة السياحية .
أما القصة الثانية فهي أن سلطنة عُمان ، طرحت عطاء عالميا لمشروع أبنية رسمية في البلاد . ففازت بالعطاء شركة بريطانية كان ابن تاتشر أحد مهندسيها . عندها ثارت عاصفة أخرى في مجلس العموم على رئيسة الوزراء واتهامها بأنه لولا وجود ابنها في تلك الشركة لما فازت بالعطاء . فكان دفاعها بأنها لم تتدخل في العطاء المطروح ، وما يهمها هو أن شركة بريطانية من بين الشركات العالمية فازت بالعطاء ، سواء كان يعمل فيها ابنها أو غيره ، لأنها تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار . وشتان بين ما قصدته تاتشر وما يقصده مسؤولنا في مثل تلك الحالات .
وقبل بضعة أشهر شاهدنا في وسائل الإعلام صورة لرئيس الوزراء البريطاني الحالي – رئيس حزب المحافظين – ديفد كامرون ، وهو يقف في محطة القطار يقرأ الجريدة منتظرا وصول وسيلة النقلالعام ، ليستقلها في الذهاب إلى مكتبه في 10 داوننج ستريت ، دون أن يعير ذلك فضول الركاب ودون موكب أو سيارات المرافقة . وها هو حزب المحافظين الذي يرأسه قد فاز مجددا بالانتخابات الأخيرة لفترة رئاسية جديدة .
هذا يحدث في بريطانيا العظمى ، أما عندنا في الأردن الذي ينوء بأعبائه المالية الكبيرة ، فيشعر مواطنوه وكأنهم في دولة نفطية تعيش ترف الحياة وبلا قضية ، فيوقنون بأن الشعب في واد والمسؤولين في واد آخر . فرئيس الوزراء يتنقل داخل البلاد من مكان إلى آخر في موكب من سيارات المرافقة التي تزفه من أمامه ومن خلفه نظرا لأهميته وخوفا على حياته وضرورة لموكبه المهيب . والوفود الرسمية تسافر في الدرجات الخاصة وأحيانا في الطائرات الخاصة ، تجوب عواصم العالم لحضور مؤتمرات لا عائد من معظمها على الوطن .
أما المديونية العامة فقد تجاوزت 23,5 مليار دينار وهي في تضخم مستمر ، ومشروع المفاعل النووي يسير قدما رغم عدم توفر مقوماته ، وشراء السيارات الحكومية الفارهة متواصل ، والرواتب الخيالية والوظائف العليا للأقارب والمحاسيب تتم دون رقيب ، ومجلس النواب مشغول بمصالحه الخاصة وأحيانا يقر بعض القوانين دون توفر النصاب القانوني ، والضرائب تتصاعد بسرعة جنونية مما أدى لإغلاق 155 شركة هاجرت خارج البلاد .
وكذلك البطالة والفقر في تزايد يومي ، والجامعات تحولت إلى مسارح للمشاجرات بدلا من كونها منارات للعلم . وها هي حكومتنا الرشيدة تزف إلينا اليوم خبرا مفرحا بشراء مروحية جديدة بلغ ثمنها 21 مليون دولار ، لاستخدامها في تنقل الشخصيات الرفيعة داخل البلاد . أما الدواعش فبدأوا يبرزون من بين الصفوف في بعض المدن الأردنية ، وأخشى من تكاثرهم في المستقبل القريب نتيجة لسوء إدارة الدولة .
ومن جهة أخرى فقد صدع رؤوسنا دولة الرئيس النسور بخطاباته وتصريحاته غير المقنعة ، لأكثر من سنتين ونصف لم نحصد من ورائها إلا السراب وتنامي سوء الحال . والغريب في الأمر أن المسؤولين لدينا وعلى رأسهم دولته يعتبرون هذه الأوضاع مريحة ومطمئنة ، رغم ما تشير إليه من مكامن الخطر . فالصمت الذي يلوذ به الناس ليس ناتجا عن قناعتهم بالأحوال العامة ورضاهم عن اوضاعهم المعيشية ، بل إنه تقدير منهم لحساسية الظرف وخوف على أمن ومستقبل بلدهم .
أدعوا المسئولين في الدولة أن يعوا حقيقة الأوضاع المعيشية التي يعاني منها المواطنون ، ويدركوا مسؤولياتهم الوطنية في معالجتها ، لكي لا نصحو في يوم قادم على هبة أزمة اقتصادية أو أمنية ، تطيح بكل ما انجزناه خلال العقود الماضية ، فالنار التي تحت الرماد لا ينفع معها دفن الرؤوس في الرمال .
أختم مقالتي بالسؤال التالي : المرأة الحديدية خلّدها الشعب البريطاني بإقامة نصب تذكاري لها من البرونز أمام مجلس العموم البريطاني ، إقرارا بفضلها في تحمل المسئولية الوطنية على أفضل وجه . فكيف سيخلّد الشعب الأردني ذكرى مسؤولينا ورافع المديونية العامة والضرائب على المواطنين دولة الدكتور عبد الله النسور ، الذي اتسم عهده بالفشل في النهوض بمسؤولياته الوطنية ومعالجة مواطن الخلل ؟

