الجيوش الصغيرة: طوائف وقبائل وعشائر
امريكا تدرب جيشا صغيرًا من المعارضة السورية المعتدلة . الأردن يدرب قوة من العشائر السنية السورية ، امريكا ستمد عشائر الأنبار بالسلاح ، ميليشيات إيران شكلت الحشد الشعبي في العراق. المعارضة المسلحة في سوريا شكلت جيوشًا لمحاربة داعش والأسد . النظام شكل الدفاع الوطني الطائفي واستعان بحزب الله وعصائب الحق العراقية . في ليبيا جيش صغير لكل مدينة وزقاق . الحوثيون شكلوا أنصار الله ، قبائل تعز شكلت مقاومة ، شبوة فعلت ذلك ، قبائل مأرب لها مقاومتها وهكذا .
جيوش صغيرة بمواجهة اخرى والعناوين مختلفة ، شيعي ، سني ، علوي ، حوثي ، لكنها جميعا تقوم على قاعدة واحدة هي القسمة والتقسيم بعد ان ألغت مفهوم الجيش الوطني الواحد لكل الدولة ولجميع الشعب . هذه هي مكونات الوصفة الإيرانية للمنطقة التي يأخذ بها الجميع، الدول والتنظيمات على حد سواء . واذا كان من الطبيعي ان تجد الجيوش الصغيرة رواجًا وازدهارًا في ظل تفكك الدولة وشيوع الفوضى كما هو حاصل في العراق وسوريا وليبيا واليمن ، فان من غير الطبيعي ان تأخذ الجيوش الصغيرة موقعًا هامًا لها في تفكير الولايات المتحدة أكبر وأقوى دولة في العالم . وفي سياسات الدول الحليفة لها في المنطقة مثل الأردن وتركيا والسعودية وقطر .
اما لماذا نجحت ( الوصفة الإيرانية ) في زرع بذرة الجيوش الصغيرة في العالم العربي فالإجابة تتطلب شروحات كثيرة لكن اهم أسباب نجاحها ان ( الجيش الوطني ) في الدول التي تعيش حروبًا داخليًة لم يكن في الأساس جيشًا وطنيًا ، انما كان ولا يزال جيشًا للحاكم ، له ولأولاده وأسرته واخوته واخيرا لعائلته وعشيرته وقبيلته. ولم تتغير هذه الصفة لجيوش الحكام حتى عندما ثارت عليهم شعوبهم، او انتهت شرعيتهم بنقل السلطة الى غيرهم ، لم تكن أبدًا جيوشًا للشعب كله ، للاوطان وحدها ، للدول علماً ودستوراًوحدوداً.
الوصفة الإيرانية بدأت في لبنان عندما أُنشئ حزب الله كجزءٍ من الحرس الثوري وبمنهج ولاية الفقيه ( التابع والمتبوع ) فاقتصر الانتماء (الى المقاومة ) على الطائفة الشيعية دون سواها ، ( للبناني الشيعي دون اللبناني الاخر ) ، السُنّة خارجها ، المسيحيون والدروز ايضا ولا بأس ان يكون الايراني داخلها . وبنفس حجة الصوت المعطل الذي استخدمه الحوثي للانقلاب على الشرعية في اليمن ، كان حزب الله قد امتلكه بمساندة ايران لابقاء لبنان بدون رئيس جمهورية ، ولإبقاء جيش الحزب خارج سلطة جيش الدولة.
لم يكن الجيش السوري جيشًا وطنيًا لكل سوريا ، كان للرئيس الأب ، واستورثه الرئيس الابن ، واخوانه وأخواله وأعمامه ، وعندما طالب السوريون سلميًا على مدى ٦ شهور بالحرية والكرامة قابلهم جيش القائد والعائلة بما لم تفعله بهم إسرائيل ولا الاحتلال الفرنسي. وعندما حاول السوريون بناء جيش وطني حر لجميع السوريين لم يجدوا عونًا من احد ، انما وجدوا (وصفات عربية عشائرية ومذهبية في محاكاة للوصفة الإيرانية ) فتحولت ثورتهم الى جيوش صغيرة .
ولم يكن جيش العراق وطنيًا ، لانه كان جيش المالكي وجيش قيادات الميليشيات التي تشكلت في ايران بهويتها المذهبية. وعندما اكتسحت داعش اكثر من نصف العراق لم يقف الحاكمون في بغداد وقفة مراجعة، على قاعدة البحث عما ينقذ وحدة العراق أرضًا وشعبًا ، انما هرولوا الى الامام بتكوين الحشد الشعبي، فنقلوا بذلك التقسيم الطائفي من السياسة الى ساحات المعارك .
لم يكن جيش القذافي وطنيًا انما كان جيشه وجيش ابنائه وبناته وأسرته ، وعندما ثار الليبيون لم يجدوا جيشهم الوطني الى جانبهم ، انما وجدوه في حرب ضدهم، لانه جيش العقيد لا جيش الشعب . ثم انتقلت الوصفة الإيرانية بنسختها العربية الى ليبيا لتنشر الجيوش الصغيرة بهويات الانتساب الى العشائر والقبائل والمدن والولايات .
ولم يكن جيش اليمن جيشًا وطنيًا انما جيش على عبد الله صالح وابنه احمد ، لقد ظل مخلصًا لهما حتى بعد ان خلعه الربيع اليمني عن السلطة ، وعندما نجح اليمنيون بعد صبر طويل في الاتفاق على مخرجات لحل خلافاتهم وبناء اليمن الجديد انحاز صالح وجيشه للجيش الحوثي الصغير ( عدو الامس واداة الوصفة الإيرانية ) من اجل العودة الى السلطة .
لا طريق لإنقاذ وحدة الشعوب والاوطان في سوريا والعراق واليمن وليبيا الا بتغيير الوسائل والاهداف والشعارات التي شرّعت لإقامة الجيوش الصغيرة ، مع اعادة الاعتبار لمسألة اقامة جيوش وطنية ، جيوش للأوطان وليس للميليشيات والمذاهب ، للشعوب وليس للطوائف والعشائر والقبائل . واذا ارادت السعودية والأردن وقطر ومعهم تركيا إنقاذ سوريا والإبقاء على وحدة شعبها وترابها، فالحل ليس بنفس مقاييس الوصفة الإيرانية ( صناعة الجيوش الصغيرة ) التي تشجعها إدارة اوباما ، انما بصناعة الجيش الوطني السوري ، والعمل بكل السبل وممارسة النفوذ والضغوط من اجل توحيد الفصائل المسلحة وجيوشها الصغيرة في جيش واحد هو جيش الثورة السورية ، وان لا يقصى عن هذا الجيش احد الا داعش . وكل حديث عن تكوين جيوش عشائر وغير عشائر بوهم إقصاء التيارات السورية الاسلامية هو منفصل عن الواقع ، وسيقود الى مزيد من الحروب والفوضى وسيكون افضل هدية تقدم لداعش .
لا طريق لإنقاذ العراق من داعش ومن ايران ومن نزعة الانفصال الكردية الا ببناء حيش وطني عراقي يضم الشيعة والسنة والأكراد . الحشد الشعبي وصفة إيرانية مذهبية يجب سحب الشرعية الرسمية عنه ، والحرس الوطني في الأنبار وصفة امريكية عربية لا ترتقي الى هدف الحفاظ على وحدة العراق ، انما هو في النهاية ذريعة لإيران ولفيلق القدس و حشدهما ، للإطباق على بغداد وتحويلها الى عاصمة لامبراطورية فارس ( لم يتوقف الداعمون لحكومة العبادي لمسائلتها عن قيام جيشها بمنع الفارين من حروب الأنبار من دخول عاصمة وطنهم بغداد ) !!. . امريكا تملك الاوراق للضغط على القيادة الطائفية الموالية لإيران في بغداد والعرب بدورهم يملكون ان أرادوا الضغط على امريكا من اجل اقامة جيش وطني عراقي ومصالحة وطنية كالتي يدعو اليها اياد علاوي ، حكومة وسلطة ، حكومة تنال الثقة من الشعب كله لا حكومة تقودها الميليشيات .
في ليبيا واليمن كما في سوريا والعراق لا تُواجه الجيوش الصغيرة بمثلها تحت مظلة قبائل وعشائر ومذاهب ، انما بإعادة بِنَاء جيوش وطنية في كل واحدة من هذه الدول . ونأمل ان ينجح مؤتمر المعارضة السورية ، الذي دُعي لعقده في الرياض ، في توحيد الجيوش الصغيرة على الارض ، كما لا أمل بانقاذ وحدة العراق اذا لم يتحرك العرب والعالم لحل سياسي تحت عنوان : بغداد من اكبر حواضر العرب وعاصمة للخلافة ولم تكن يوما عاصمة لكسرى ،والقول لقادة ايران : كفى عبثا بعراق عظيم بتاريخه وتراثه ، عراق أهلكته حروب امريكا وحروبكم وغزوات داعش ووحروب الكراهية والانتقام بين الطوائف والمذاهب والعشائر والقبائل .
[email protected]

