عمان تغيرت.. فمن هم (العمانيّون)؟
اتسعت مساحة عمان افقيا وعامودياً وغطت تلالها الاف العمارات السكنية الجديدة ، وان ذهبت الى احداها لتستفسر عن هوية ساكنيها ستجد خليطا من جنسيات عربية شردتها حروب الداخل في أوطانها خلال الأعوام القليلة الماضية ، وان ذهبت الى الأسواق وحتى المدارس ستجد الصورة نفسها ، وحتى لا يفهمني القارئ خطأً فأنا اتفهم وجود الإخوة العرب الذين قدموا اليه بصورة لاجئين من حروب الجوار، وارى في وجودهم دلالة على امن واستقرار الاردن ، واسأل الله ان يبقينا على الحال الذي نحن فيه كبلد حاضن لمن جاء اليه طلبا للامن والامان ، وان لا نتحول الى بلد يغزوه وباء التطرف والفتن والقتل على الهوية والمذهب .
كما هو ظاهر فان عمان تتحمل العبء الأكبر من هذا النزوح واللجوء حتى سمعت احدهم يقول انه بين كل ثلاثة يوجد واحد اردني ، وان كان هذا القول مبالغ فيه ، فان وضع عمان بشكل خاص يدل على انها تغيرت وأنها في طريقها للتغير يوما بعد آخر ، تغير في التركيبة السكانية وما يؤثر ذلك من تأثيرات جديدة ومختلفة على الروابط والعلاقات الاجتماعية وعلى العادات والتصرفات والممارسات ، فالجماعات الوافدة والعاملة والملتجئة جاءت من بيئات قانونية ووطنية مغايرة . تلقى الافراد فيها تعليم وتربية منزلية تختلف عن ما تلقته ونشأت عليه العائلة الاردنية ، وهو ما يقود الى سؤال : ماذا سيكون عليه (العمانيّيون ) بعد كل هذه المتغيرات ؟.
لا احسب ان وجود مئات الآلاف او حتى الملايين من الزوار او المقيمين إقامة مؤقتة في اي عاصمة من العواصم يشكل مشكلة ، ففي عالم اليوم ازدهرت المدن العالمية الكبرى وتقدمت وتطورت بكثرة زوارها القادمين اليها للسياحة والاستثمار والعمل في أنشطة البشر العابرة للحدود ، لكن إقامة معظم هولاء الملايين محدودة بأيام او أسابيع . واذا كانت عمان قد اصبحت من بين هذه العواصم الجاذبة لاستقبال الموجات البشرية فهي تختلف عنها بنوع إقامة الجماعات التي تستقبلهم والاسباب التي تدفعهم للقدوم اليها ، الموجات البشرية القادة هي من اللاجئين والعاملين والوافدين الذين تمتد إقاماتهم وتطول ، انهم لا يسكنون الفنادق والشقق المفروشة انما يتملكون ويستأجرون الاف الشقق ، ومنهم من يعمل في تجارة او صناعة وأبناؤهم يشاركون ابنائنا في المدارس .
هذا التغير على عمان وتنوع سكانها ، منابتهم ومشاربهم وعاداتهم ، يفرض على الدولة والحكومة وامانة عمان ان تواجه الامر وتستقبله ليس فقط من باب المال والمساعدات ونظريات الإنفاق والاستهلاك والضرائب ، وإنما بالعمل ،بصورة استثنائية ، على تعميق طابع مميز للعاصمة قادر على احتواء كل مقيم جديد بان تفرض عليه قوانينها وسلوكيات مجتمعها وبذلك تصون هويتها .
في مدن مثل روما و باريس و مدريد وإستنبول يتم استقبال عشرات الملايين كل عام في اطار الأنشطة السياحية والثقافية وحتى الاستثمارية ، لكن كل هذه الملايين تغادر هذه المدن وقد تعلمت منها ، واثناء أقامتها فيها تغنت بحضارتها والتزمت بقوانينها واحترمت عاداتها وتذوقت طعامها وألوان مطبخها الخاص . والزائر الى دبي يأسره نظامها وطابعها من أولى خطوات وصوله اليها ، ابتداء من نظام السير وعقوباته القاسية التي تحل بالمخالفين ، وانتهاء بطبيعة نظامها الاجتماعي والامني الهادئ والمريح الذي نجح في احتواء جنسيات من جميع الدول الأعضاء في الامم المتحدة ، دبي مدينة عالمية لكن هويتها تبقي دبي الخليجية العربية . المشكلة إذن ليست باستقبال عمان للملايين انما ان يشعر الزائر لها ومن يلجأ اليها بانه يأخذ منها ويتأثر بها ، وان لا يتملكه انطباع خاطئ بانها فقط مكان للسكن والايواء ، انما مدنية حضارية تفرض قوانينها في السير وفي الأماكن العامة ، وفي التعاملات والسلوكيات مع الآخرين ، وتفرض على الجميع طابعها كجوهرة الاردن وبان احترامها واحترام انظمتها هو احترام للأردن ولشعبه .
عمان تغيرت وانا ارى واسمع الكثير من الشكاوى بضعف شعور المواطنة فيها ومشاعر الإحساس بانها تتحول الى مدينة غريبة امام فوضى الاصطفاف في الشوارع وانقلاب سلوكيات سكانها ، وغياب الفن والذوق والاخلاق كقيم سلوكية عند سائقي المركبات ، وتسمع القصص عن احداث وتصرفات غريبة يقوم بها اردنيون وغير اردنيين ، وكأن من هو غير اردني لا يراعي التقيد بالنظام و القانون والسلوك الحسن لانه لم يجد في المدينة ، البيئة السلوكية والقانونية الرادعة ، التي تجبره على التقيد والالتزام بهما ، وكأن الاردني على الجانب الآخر بات مستهترا بالسلوكيات والعادات الحميدة التي اعتاد مجتمعنا عليها لانه يظن بان كل من هو أمامه غير اردني وان مدينته اصبحت غريبة عليه .
عمان تغيرت والخشية ان تصبح مدينة بلا هوية ثقافية وعمرانية واجتماعية . عمان بحاجة لان تفرض قانونها وطابعها وروحها وثقافة وتراث شعبهاوعاداته في الشوارع والأسواق وفي كل زاوية فيها ، ان لم تفعل ، لا عمانيون ولا عمان ، انما مدينة وشقق واسكانات ومولات وضريبة مبيعات وضريبة أبنية وناس يتحركون ، جماعات وافرادا، تشعر وان تراقب ما استجد فيهم من روابط وسلوكيات بان كل منهم يسير في مدار خاص وعلى فلك أخر .
[email protected]

