يا شيخنا الجليل «أبو خليل « وداعاً
اغرورقت عيناي بالدموع على وقع نبأ -جاء على عجل- عبر اتصال هاتفي لنجلي غيث ،يخبره فيه صاحبه أن «أبو خليل» الصديق حسين خليل قد توفي ،سيطر الوجوم على وجهي ،وسرعان ما تداعت بقايا الدموع ، رحل أبو خليل الصديق العزيز .
وتسارعت الصور تمر أمام ذاكرتي ،كيف عرفته والليالي التي كنا نمضيها معاً في مزرعته نشرب الشاي على الفخم أو الفهوة التي تعبق بالرائحة العذبة وحديث يطوف في كل الذكريات ويلامس عيون الفكر .
أبو خليل أخي المزارع الكريم ،حيث كنت حريصا على أن أناديه دومابهذه الكلمات حينما أدخل مزرعته ،فقد تعودت على رائحة العنب العطرة ورائحة الزيتون المجبولة بالمطر ،وحبات الدراق التي تزهو بعرق السنين.
لم يكن أبو خليل مزارعاً عادياً ،بل رجل عشق الزراعة والبناء وكانت له مزرعة خاصة هي الوحيدة في مدينة صويلح ، تدرج في الوظيفة العامة وتجول في بلاد الله الواسعة ،فشكل مخزونا ثقافيا هائلا.
على يديه تعلمت نقد الفكر الديني وكل الموروثات التي أُدخلت إلى الدِّين عبر بوابة الإسرائلياتوعرفت من خلاله روح المفكر «محمد عابد الجابري» الصديق الراحل الذي تعمقت معرفتي به والفضل يعود لأبي خليل بدفعي نحو الاقتراب من فكره العميق .
وعبر ليالي الحوار وورق الشدة ، تعرفت من خلاله على منهج الدكتور «محمد شحرور» وكتابه الخلافي «قراءة معاصرة للقرآن « وسارعت بتعميقمنهج الدخول الى علم الحديث والقرآن من بوابة المصطلح الفكري وأسباب النزول.
رحل أبو خليل ،ولم أتمكن من مشاهدته للمرة الأخيرة، ففد شاءت الظروفأنني منذ ما يزيد على شهر لم أره، وكعادة الموت يأتي على عجل ولا يترك لنا الوقت المتاح لوداع الاصدقاء وفي المقبرة وقفنا نعزي أسرته وعائلته.
وفي لحظة الوداع عانقت ابنه الدكتور إبراهيم ، وبهدوء المفارق قال لي :»الحج مساء الثلاثاء كان مبسوطا وهو يتابع حديثك على قناة رؤيا عبر برنامج نبض البلد» وهنا انهمرت دموعي مجددا فقد تمكن من مشاهدتي قبل سفره الأخير .
وداعا أبا خليل، أخي المزارع الكريم ،ستبقى حاضرا في نفوسنا وقلوبنا ولا أنسى قول الإمام الشيخ ابراهيم مقدادي وهو يقول «حين كنت أمضي في خطبة الجمعة وأنهي صلاتها يحاصرني العزيز أبو خليل قائلا : أحسنت هنا ومرت عليك هفوة هنا «.
وداعا، إنه الوداع الأخير يا صديق العمر بسنوات عمرك التي اقتربت من حواف الثمانين، لكنك كنت تنتظر الموت وطاف قربك الى أن قضيت على باب سيارتك بلا استئذان، قبل أكثر من عشرين عاما، حين داهمتك غيبوبة استمرت قرابة الستة أشهر، ونجوت منها بقدرة العزيز الجبار لكنك كنت في الانتظار ولا تخشى الموت وتقبل على الحياة بيديك ترعى أشجارك وورودك والنعنع المدهش الذي سفَّرته أنا إلى ألمانيا شاهدا على قدرتك في الإبداع والعطاء اللامحدود .
الدستور

