صحيفة الكترونية اردنية شاملة

القوة العسكرية عامل ردع لحماية الوطن

0

القوة العسكرية هي أحد عناصر القوى الوطنية التي تحفظ كيان الأمة وتصنع إرادتها وتعزز سيادتها . فالثقة بقدرة القوات المسلحة عامل هام في تحقيق أهداف السياسة الخارجية ، سواء باستعمال القوة أو التهديد باستعمالها اعتمادا على ” قدرة الردع ” التي تتمتع بها . فالتهديد بالقوة دون استخدامها من قبل دولة معينة ، غالبا ما يكون كافيا لمنع عدوها من القيام بعمل تعرضي يهدد به أمنها الوطني، خاصة إذا كانت تحمل تاريخا عسكريا مميزا ، مما يجعل خيارات العدو في التعرض محدودة .

فالسمعة الجيدة للبحرية البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال ، جعلت هتلر يحجم عن غزو بريطانيا رغم أن الشواهد كانت تدل على أن الغزو سيكون ناجحا . كما أن سمعة البحرية والقوة الجوية الأمريكية أقنعت زعيم الاتحاد السوفياتي نيكيتا خروتشوف آنذاك ، بأن السفن السوفياتية ستكون عرضة لإطلاق النار عليها إذا حاولت خرق الحصار البحري الأمريكي ، الذي فُرض عليها خلال الأزمة الكوبية عام 1962 .

ولا شك بأن التهديد باستخدام القوة العسكرية يعود بنتائج إيجابية ، عندما يتساوق مع المقاصد السياسية ، التي تكون أهدافها العسكرية ضمن قدرة القوات المسلحة في إنجازها . وفي هذا السياق فقد أوضح المنظّر العسكري كلاوزفتز قبل ما يزيد على مئتي سنة ” بأن استخدام القوة العسكرية يجب أن يكون خاضعا بصورة دائمة للتعريف الصحيح للأهداف السياسية”. ورغم مرور مدة طويلة على إطلاق هذه العبارة ، إلا أنها ما زالت سارية المفعول وقابلة للتطبيق حتى في عصرنا الحاضر .

أما إذا كانت الأمة تفتقر إلى الكفاءة العسكرية وتكرر فشلها في العمليات العسكرية التي تكلف بها ، فإن ذلك سيشجع العدو على توظيف سياساته لاستخدام القوة ضدها في المستقبل. ولهذا فإن الأمة التي تنال سمعة الفشل وعدم القدره على القيام بمهام عسكرية ناجحة ، تجلب لنفسها المخاطر وتزيد من احتمالات المواجهة العسكرية مع العدو .

من الواضح أن الولايات المتحدة اكتسبت سمعة الفشل وعدم الكفاءة في عملياتها العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية . حيث أن تطبيقها للقوة العسكرية لم يكن عاملا حاسما في تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية . فالحرب الكورية ( 1950 – 1953 ) أدت إلى مأزق حرج للقوات الأمريكية ، ودفعها بالتالي للخروج من كوريا الشمالية ، تحت ضغوط شديدة من قبل الجيش الصيني .

بعد كوريا غرقت الولايات المتحدة في مستنقع فيتنام لمدة ثماني سنوات ( 1965 – 1973 ) مع عدو مراوغ ، استخدم أسلوب حرب العصابات ، فأنهكت القوات الأمريكية ثم أجبرتها على التخلي عن كثير من الفنون العسكرية التقليدية . وأخيرا أرغمتها على الانسحاب من ذلك الصراع لعدم ملائمة أساليب القتال الأمريكية للتكتيكات البرية الفيتنامية . فالوحدات الميدانية لم تقاتل بصورة جيدة ، والضباط قادوا وحداتهم بطريقة سيئة ، واستخدام النيران نُفّذ بأساليب معقدة ، أدت جميعها إلى الفشل في كسر إرادة الفيتناميين على المقاومة .

وهكذا شكلت مغامرتي فيتنام وكوريا هزيمتين عسكريتين وسياسيتين في آن واحد . أما الحرب على العراق فقد نجحت ميدانيا بسبب الحشد الكبير لقوات متفوقة من قبل دول التحالف ، واستخدامها لأحدث التقنيات العسكرية في الأسلحة التقليدية والموجهة ، مصحوبة بأساليب الحرب النفسية وعمليات التجسس على نطاق واسع . ومع ذلك فقد فشلت في تحقيق هدفها السياسي المعلن ، وهو إقامة الديمقراطية والحرية في العراق .

أن الكفاءة العسكرية تعني تطبيق الاجتهادات التقديرية التي تخفف من المخاطر المتوقعة وتزيد من احتمالات النجاح . فغياب الكفاءة العسكرية ينتج غالبا عن عدم قدرة القادة العسكريين في التخطيط المناسب للحالات الطارئة والتغلب على ” ضباب الحرب ” نظرا لغياب الحقائق الميدانية . كما أن الحظ والمغامرة يلعبان دورا هاما قي أية عملية عسكرية .

ولا شك بأن مسؤولية التخطيط العسكري والإشراف على تنفيذه في ساحة العمليات يقع على كاهل الضباط ، لأنهم يعكسون قيم ومميزات المؤسسة العسكرية في أداء واجباتها . ويشترط في الضابط أن يحوز على ثلاثة شروط هي : أن يكون محترفا في عمله ، قدوة لمرؤوسيه ، وقادرا على إعطاء قرارات صائبة في الظروف الحرجة .

ولكي يحافظ الجيش على احترافه العسكري ، يجب أن يتابع التطورات التكنولوجية في العالم ، وأن يتم تزويده بالأسلحة والمعدات الحديثة ، وأن يواصل تدريباته حسب عقيدته القتالية في أوقات السلم كما لو أن الحرب واقعة غدا . وعلى الجيش أن يهتم بعمل المجموعات الصغيرة والمكونة من 5 – 7 أفراد ، لتطبيق تكتيكات الحرب غير التقليدية عند الحاجة ، إضافة للتدرب على عمل فرق القتال المختلطة في الوحدات الفرعية .

وإذا ما عكسنا هذا الوضع على الموقف الراهن الذي يواجه الأردن ودول العالم من خطر داعش الإرهابي في المناطق الشرقية والشمالية ، فمن الأفضل أن لا نزج قواتنا المسلحة في مستنقع حرب العصابات خارج الحدود الأردنية ، خاصة بعد أن أعلنت الدول التي تعمل على ساحاتها تلك العصابات ، عدم رغبتها بدخول قوات برية خارجية إلى أراضيها .

إن مسؤولية التعامل مع مسلحي داعش بعمليات برية ، تقع على عاتق القوات البرية العراقية والقوات السورية ( بترتيبات معينة ) لتطهير واستعادة أراضيها المحتلة . يجري ذلك بعد أن يتم تسليح تلك القوات وتدريبها بما يناسب مهامها اللاحقة ، على أن يقدم لها الإسناد الجوي والإستخباري من قوات التحالف لكي تأخذ زمام المبادرة في التعرض . وقد أكد نابليون على هذا المبدأ بقوله : ” إنني اؤمن كما يؤمن فردريك الكبير ، بأن الواجب يقضي بأن نكون المبادرين دوما بالهجوم ” .

والأردن كدولة مشاركة في الحرب على الإرهاب ، يفترض أن يكون دوره تشكيل قوة ردع محلية ، والحفاظ على حدوده منيعة ضد تسلل الإرهابيين إلى الداخل ، لاسيما وأنها تجاور مناطق الاشتباكات . وعليها من جانب آخر المشاركة بالضربات الجوية وتنفيذ بعض العمليات الخاصة ، إضافة لتقديم تسهيلات لوجستية وقواعد جوية لاستخدامها من قبل قوات التحالف . وإذا ما فُرض على الأردن تقديم قوات برية ، فيمكن اللجوء إلى المتطوعين من العسكريين السابقين والقادرين على القتال ، وتشكيل وحدات شبه نظامية منهم للمشاركة في العمليات .

كل ذلك يجري في حالة التوافق على استراتيجية حقيقية ونوايا مخلصة ، تتبناها دول التحالف وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ، على أن تشمل وقف تدفق الأسلحة والمقاتلين من تركيا وغيرها إلى الإرهابيين ، وتركيز الضربات الجوية بهدف اجتثاث داعش من مواقعه المختلفة ، بأسرع وقت ممكن قبل أن يستفحل خطره ويصعب علاجه . وإذا ما تحقق ذلك الهدف فإنه سيمنع قيام دولة دينية زائفة في المنطقة – دولة الخلافة الإسلامية – لكي لا تشكل سابقة في إقامة دولة دينية يهودية في فلسطين المحتلة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.