خبراء اقتصاديون يحللون الموازنة ويقدمون التوصيات
عقد منتدى تطوير السياسات الاقتصادية ندوة خُصصت لدراسة موازنة الحكومة الأردنية لعام 2015، قدم فيها الخبراء الدكتور محمد أبو حمور والدكتور خالد الوزني ورئيس تحرير صحيفة المقر الالكترونية الأستاذ سلامة الدرعاوي عرضاً تقنياً مفصلاً للموازنة وعقب عليه المهندس يوسف القرنة رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب مضيفاً إضاءات هامة على الموضوع، وقد أدار الجلسة رئيس المنتدى سعادة الدكتور طلال أبوغزاله.
وكان هنالك توافق في الآراء حول تقديم التوصيات التالية للدراسة من قبل الجهات المعنية صانعة القرار، على أن يكون إعداد الموازنة بهدف تحقيق خطة مالية واقتصادية واجتماعية متكاملة وليس كبيان للواردات والمصروفات فقط ذلك لأن الموازنات هي خطط عمل.
والحاجة لوضع سياسات مالية واضحة لإعداد الموازنات يجري العمل بموجبها بإعداد الموازنات المتتالية بموجب مبادئ مالية موحدة، ضرورة أن تكون الفرضيات المعتمدة (مثل سعر النفط وسعر الغاز) واقعية، الحاجة لاتخاذ قرار يستند إلى دراسة علمية اقتصادية سياسية لحسم موضوع إنشاء مفاعل نووي بعد سنوات طويلة وما يتبعها من مصاريف دون الوصول إلى قرار نهائي، إن المنطق أن تكون الموازنة في حالة وجود انكماش اقتصادي موازنة تنموية وليست انكماشية، ضرورة تحديد النموذج المالي الذي توصلت بموجبه الموازنة لتحديد أن النمو سيكون بمعدل 4 بالمئة.
واتفق الخبراء على ضرورة ربط نسبة النمو في الناتج المحلي مع النمو السكاني والذي يزيد حالياً عن 4% وبالتالي فإن نسبة النمو الفعلية هي سلبية، وأن تشتمل الخطة على إجراءات معالجة البطالة والتنمية، ومعالجة التهرب الضريبي، وإجراءات تطبيق ميثاق النزاهة، والإصلاح الإداري، فصل المنح عن الإيرادات، واتخاذ إجراءات عملية للاستفادة من المنحة الخليجية المجمدة والتي تتحمل الدولة فوائد نتيجة عدم تحويلها إلى مشاريع استثمارية.
وطالب الخبراء بإن تكون الموازنة خطة لدعم الناتج المحلي من خلال صنع الثروة وتوسعة الوعاء الضريبي كبديل لزيادة الضرائب واعتماد مبدئ الضريبة التصاعدية، الاهتمام بالاستثمار في تطوير وصيانة شبكات المياه، ومشاريع تحلية المياه وكذلك مشاريع الطاقة البديلة، التزام الحكومات بالتوجيهات الواردة في خطاب العرش السامي ومحاسبتها سنوياً على مدى التزامها بتطبيق ما جاء فيه.
ابوحمور: صندوق النقد لا يتدخل في تفاصيل عمل الحكومة
وقال وزير المالية الاسبق الدكتور محمد ابو حمور ان الجهات الدائنة لاسيما صندوق النقد لا تتدخل في تفاصيل عمل الحكومة لتقليل العجز وتحقيق معدلات نمو معقولة وباستطاعة الحكومة العمل بشكل جدي لتقليل العجز المالي مستغربا التطابق القريب لرقم الموازنة للعام الحالي مقارنة مع رقم الموازنة في العام 2014.
واضاف في جلسة حوارية بعنوان “السياسة المالية والموازنة العامة لعام 2015″ عقدها منتدى دعم السياسات الاقتصادية امس الاحد ان هناك مخالفة دستورية حول المادة 112/5 من الدستور الأردني والتي تنص على أنه ” لا يقبل أثناء المناقشة في الموازنة العامة أي اقتراح يقدم لإلغاء ضريبة موجودة أو فرض ضريبة جديدة أو تعديل الضرائب المقررة بزيادة أو نقصان يتناول ما أقرته القوانين المالية النافذة ولا يقبل أي اقتراح بتعديل النفقات أو الوارادات المربوطة بعقود” مشيرا الى مشروع قانوني الموازنة العامة للحكومة والوحدات الحكومية، بالاضافة لاقرار قانون ضريبة الدخل معا.
ولفت الى ان تكرار تعديل القوانين خصوصا التي تتعلق بالسياسات الاقتصادية والمالية ينعكس سلبا على عملية جذب الاستثمار واستقرار التشريعات الامر الذي يشكل هاجسا على متخذي القرار الاستثمار.
الوزني: الدين العام ارتفع خلال 8 سنوات بحوالي نصف الدين الاردني منذ الامارة
أما الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الوزني فقال ان الغاية من رسم السياسة المالية للدولة وادواتها هو توسيع الايرادات المالية للدولة وليس زيادتها مشيرا الى قانون الضريبة الذي اثر على القطاع الصناعي والتجاري، وان الدين العام على المملكة ارتفع خلال الاعوام الثمانية السابقة بحوالي نصف ما عليها منذ تاسيسها مبينا ان تعطيل النص القانوني الذي يمنع تجاوز الدين العام لمستوى 80 بالمائة من معدل النمو يؤثر على انخفاض معدلات الدين في الاعوام المقبلة.
القرنة: مشكلات العجز في الموازنة نتيجة الخصخصة
من جهته اكد رئيس اللجنة المالية النائب يوسف القرنة ان مشكلات العجز في الموازنه والتي شكلت الطاقة ابرزها نتجت من اثر سياسة الخصخصة التي اتبعتها الحكومات السابقة مشيرا الى ان اللجان النيابية وخلال مناقشتها للموازنه وجدت عدة فرضيات خاطئة عملت على ايقافها .
واكد القرنه ان اللجنة شددت على الحكومة السعى لتخفيض معدلات المديونية خلال الاعوام الخمسة التالية من خلال تعزيز منظومة النزاهة ورفع مستويات التعليم والتعليم العالي وتحسين خدمات النقل العام واشراك منظمات المجتمع المدني والبلديات حين اعداد الموازنات فضلا عن التروي عند رسم سياسات الاستثمار وتشريعاته.
واشار الى ان المجلس ومن خلال لجنته المالية يستطيع أن يراقب كيفية تصرف الحكومة بمخصصات مالية تتجاوز قيمتها 225 مليون دينار تشكل مخصصات الدعم النقدي المباشر للمواطنين، وفي كيفية التصرف به بعد ان استنفذ أوجه إنفاقه على ضوء انهيار أسعار النفط عالميا.
ابوغزالة: اهمية تفعيل مخرجات التعليم للوصول الى مجتمع معرفي
وكان رئيس المنتدى الدكتور طلال ابو غزالة قال ان الحوار يهدف لتسليط الضوء على ابرز الثغرات القانونية التي جاءت خلال اقرار الموازنه وما ينتتج عن ذلك من مخالفات دستورية واقتصادية مما يفاقم العجز الاقتصادي ويعطي نتائج سلبية على معدلات النمو الحقيقية .
ونوه الى اهمية تفعيل مخرجات التعليم للوصول الى مجتمع معرفي ينتج الثروة كما حصل في المجتمعات الاسكندنافية التي وصلت الى معدلات عالية في نسبة دخل الفرد بمصادر ومقومات اقتصادية وطبيعية اقل مما نمتلكه مشددا على الدور الذي يمكن ان يؤديه المجلس النيابي في سبيل تلك الغاية.
الدرعاوي: الحكومة تواجه الانتقادات الكبيرة بسبب ضعفها في ادارة الاقتصاد
وقال رئيس تحرير صحيفة المقر الالكترونية الاستاذ سلامة الدرعاوي ان كل عمليات الاصلاح المالي في الدولة كانت مرتبطة ببرامج صندوق النقد الدولي التي ارتبطت بها المملكة منذ العام 1989 وحتى 2004، وبعدها تركت عملية تسيير الإدارة الاقتصادية للحكومات التي بدأت تسرح وتمرح بادارة الاقتصاد الى ان اوصلتنا الى النفق المظلم، الذي تعيشه خزينة الدولة من كابوس العجز والمديونية الكبيرين.
وأكد ان الاردن لم يطبق اية برامج اصلاحية مالية وطنية، وكل البرامج التي تم الالتزام بها هي برامج موقعة مع الصندوق ومراقبة المانحين، لذلك كان التنفيذ والالتزام ببنود هذه البرامج يسير وفق المخطط، مبينا انه لم يكن مفاجئا تصويت النواب بالموافقة على مشروع قانون موازنة 2015 رغم صراخهم ونقدهم الذي طال كل صغيرة وكبيرة على الخطة المالية من جهة، وشخص رئيس الحكومة والوزراء من جهة أخرى، فما يحدث تحت القبة ينطبق عليه المثل الشعبي ” كثير نط، قليل صيد”.
وحول المديونية، قال الدرعاوي ان مؤسسات اقتصادية دولية، مثل صندوق النقد الدولي و”ستاندرد آند بور” وغيرها من المؤسسات، حذرت من أن المديونية في الاردن تجاوزت الخطوط الحمر وهي في طريقها لان تصل نسبتها إلى 90 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي.
وبين ان رئيس الوزراء الدكتور عبدالله النسور يواجه الانتقادات الكبيرة التي تواجه حكومته بسبب ضعفها في ادارة الاقتصاد وهلعها نحو الاقتراض الخارجي والداخلي وهو ما سيرتب كلفا عالية ستتحملها الاجيال المقبلة، مشيرا الى ان النسور عقد لقاء صحفيا عاما للحديث عن انجازات الحكومة وتطرق بشكل مختصر عن المديونية، وحينها نفى ان تكون المديونية زادت في عهده فلسا واحدا، اذا ما استثنيت خسائر شركة الكهرباء والتي تزيد على اربعة مليارات دينار.
واضاف: ان حديث النسور جاء من طرف واحد، فهو لا يقبل النقاش، يريد فقط أن يبرئ حكومته من هذا الجرم الاقتصادي الكبير الذي ألحقه بالاقتصاد الاردني، ويحاول أن يوهم المرجعيات العليا ان نمو المديونية يرجع الى سبب قاهر لا يمكن تجاوزه وهو بسبب خسائر شركة الكهرباء، وغير ذلك لا توجد أي مديونية زائدة.
واشار الدرعاوي الى ان كلام رئيس الوزراء يفتقد لادنى معلومات اقتصادية وبيانات مالية حول المديونية التي نمت في عهده باكثر من 8.5 مليار دينار، فعندما استلم الرئاسة في نهاية العام 2012 كانت المديونية تقارب 12 مليار دينار واليوم هي تقترب من 20.5 مليار دينار، اي زادت بما قيمته 8.5 مليار دينار، علما ان خسائر شركة الكهرباء تتجاوز اربعة مليارات دينار بقليل، منها 1.7 مليار دينار خسائر متراكمة قبل حكومة النسور، واذا ما اضفنا خسائر المياه يصل اجمالي الخسائر إلى 5 مليارات دينار.
ونوه الى انه يوجد فرق بين خسائر الكهرباء والمياه، وبين ارقام الزيادة في المديونية باكثر من 3.5 مليار دينار، علما بأن هذه الحكومة هي اكثر الحكومات في تاريخ المملكة حصولا على المساعدات الخارجية، لا بل انها هي الحكومة الوحيدة التي حصلت على تمويل مباشر لمعظم نفقاتها الرأسمالية لمدة خمس سنوات عن طريق المنحة الخليجية بمقدار مليار دولار في كل عام، ومع ذلك فانها تتجاوز خسائر شركة الكهرباء والمياه باقتراض يزيد على 3.5 مليار دينار.
وأكد الدرعاوي ان النسور لا يفضل الحديث عن هذا الاقتراض، لا بل يتجنبه ويحاول ان يخفيه بالحديث فقط عن الاقتراض بحجة سداد خسائر الكهرباء، مشيرا الى ان مديونية شركة الكهرباء ليست معدومة كما تصورها الحكومة، فهناك برنامج واضح لتسديد هذه الخسائر حتى العام 2017، ولا يوجد أي اقتراض خارجي لسداد خسائر الكهرباء كما تصور الحكومة، فالمقترضون الخارجيون لا يقرضون من أجل سداد خسائر الكهرباء، وخسائر شركة الكهرباء بالاصل لا تظهر في الموازنة المركزية العامة، بل تظهر في موازنة الوحدات المستقلة.
وبين ان معظم الاقتراض كان لسداد عجز الموازنة الرئيسية الذي بلغت قيمته في السنوات الثلاث الماضية ما يقارب 4 مليارات دينار، إذ بلغت قيمته في الاعوام (2012، 2014،2013) (1.8،1.3، 1.1) مليار دينار على التوالي ، وهذا يفسر سبب تجاوز الاقتراض الحكومي خسائر الكهرباء والمياه بكثير، وهو ما تحاول الحكومة ان تخفيه وتتجنب الخوض في الحديث حوله، وهو ان عجز الموازنة المركزية كان كبيرا وهو يمول من الاقتراض الخارجي والداخلي، وليس له علاقة بخسائر شركة الكهرباء، فالحكومة تمول هذا العجز من خلال الاقتراض، وهو ما جعل المديونية تنمو بهذا الشكل الجنوني في عهد حكومة النسور.
واضاف ان سندات “يوروبوند”، التي تتغنى بها الحكومة والتي بلغت قيمتها العام الماضي 2.25 مليار دولار، هي بالاصل موجهة لسداد عجز الموازنة المركزية وليس لشركة الكهرباء التي يتم سدادها بواسطة سندات داخلية، والامر ايضا مشابه للاموال المقترضة من صندوق النقد الدولي والتي تبلغ حوالي 1.5 مليار دولار.
واشار الى نشرة المالية المقبلة ستظهر أن الدين الخارجي انخفض بمقدار يتراوح بين 300-400 مليون دينار، وهو ما ستعتبره حكومة النسور انجازا لها نتيجة اجراءاتها، والحقيقة ان سبب الانخفاض هو تراجع قيمة “اليورو” بنسبة 10 بالمائة خلال الاشهر الماضية، وهو الامر الذي ساهم بهذا التراجع وليس نتيجة اجراءات حكومة النسور التي تفتقد لادنى خطة او اجراءات لمعالجة المديونية.
الرئيس المحظوظ
واعتبر الدرعاوي ان رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور رئيس محظوظ ، استطاع ان يوظف الظرف الراهن بشكل ” ذكي” في تمرير مجموعة من القرارات والاجراءات غير الشعبية دون ان يكون هناك تداعيات شعبية كما حدث في السابق.
باستناء الرفعة الاولى لاسعار المحروقات التي قامت بها حكومة النسور الاولى في شهر تشرين ثاني من العام الماضي والتي على إثرها عمت الاحتجاجات معظم محافظات المملكة، بعدها لم تشهد المملكة اي نوع من هذه الاحتجاجات، واخذ منحناها بالتراجع السريع والاختفاء في كثير من الاحيان.
الرئيس النسور محظوظ لعدة اسباب رئيسية، وهي:
الرئيس النسور فعليا لا يتمتع بأي ثقة تحت القبة، فالنواب في حالة هيجان ضد حكومته على كافة المستويات، ورغم ذلك فإنه ينجو مع وزرائه من نفق السقوط المظلم بسبب تدخل الملك المباشر قبيل لحظات كاد فيها أن يخرج من الدوار الرابع مثل ما حدث في مشاورات التوزير وموازنة 2013 و2014، وقضة رفع اسعار الكهرباء قبل عام .
أولاً: تراجع نوعي في حجم وكم الاعتصامات والاحتجاجات وبشكل واضح خلال عام 2013 ، وهذا كان نتيجة التعامل السياسي للنظام والاجهزة المعنية في كيفية التعاطي مع الحراك بمختلف انواعه ، حيث كان واضحا ان الامن الناعم والنفس الطويل للمعنيين في التعامل مع الحراكيين خلال العامين ونصف العام الماضيين بدأت تعطي ثمارها الايجابية ، وهو ما قطفته حكومة النسور التي تنعم الان بهدوء كبير في الشارع عكس الحكومات التي سبقتها خاصة التي كان يرأسها كل من الرفاعي والبخيت والخصاونة.
ثانياً: وجود هذا الكم الكبير من النواب – (150 ) نائبا – يساعد في تمرير اي قرار حكومي دون ضجة ، نتيجة غياب المناقشات المنطقية والعقلانية ، وهذا لا يمنع من ظهور اصوات منددة ومتتقدة للحكومة وقراراتها ، لكنها لاتملك الحضور لعرقلة اي قرار حكومي.
ثالثاً: مساعدات غير مسبوقة تلقتها المملكة في سنة 2013 ، والتي من المتوقع ان تصل قيمتها حوالي 2.4 مليار دولار ، وهي اكبر مساعدات يتلقاها الاردن في عام واحد ، وتذهب هذه الاموال الى تمويل مشاريع، ولا يعني توقيع اتفاقياتها ان المشروع قد نفذ ، فهذا الامر يحتاج الى قت.
رابعاً : غياب الاعلام الناقد بشكل واضح في الفترة الاخيرة ، باستثناء بعض النقد من عدد بسيط من الكتاب ، يشعر اي مراقب ان هناك سيطرة حكومية خفية على الاعلام بمختلف اشكاله.
واضح ان هناك عوامل ساهمت في تمرير كافة القرارات الاقتصادية غير الشعبية ، وادت الى تعزيز صورة الحكومة الحالية بأنها حكومة قوية تختلف عن سابقاتها ، وهو امر غير ذلك على الاطلاق.
المساعدات
الأرقام الرسمية المبينة في الموازنات العامة تدلل بوضوح على أن الموازنة العامة باتت أكثر اعتمادا على الآخرين في تمويل نفقاتها واحتياجاتها التمويلية المتزايدة، ولا يوجد تراجع عن هذا المبدأ على أرض الواقع سوى في الخطاب الإعلامي الرسمي للحكومة، وهو أمر مؤسف للغاية.
في مشروع قانون موازنة 2015 تشير أرقام الحكومة الى أن تقديراتها بخصوص المنح ستكون بحدود 1.128 مليار دينار، بينما كانت في العام 2014 بحدود 1.115 مليار دينار، وهنا نتحدث عن المنح التي تذهب للموازنة مباشرة، وهي أموال لا ترتب أية فوائد جديدة في الدين، فهذه هبات غير مستردة ودون فوائد، ونحن لا نتحدث عن المساعدات التي تأتي الى الوحدات المستقلة التي يناهز عددها 59 مؤسسة.
يتضح من الأرقام السابقة أن اعتماد الموازنة على المنح يزداد بوضوح، وهو أمر لا يعيب الاقتصاد اذا كانت هناك خطة وطنية تعالج الامر مستقبلا وضمن إجراءات متدرجة، وصولا الى التوازن المنشود، لكن المؤسف في الموضوع أن المنح تزداد سنويا للخزينة، ناهيك عن المشاريع المستقلة التي تمول مباشرة من المانحين، ومع ذلك فإن الاقتراض يزداد بدلا من ان يتجه للانخفاض، او حتى للانحسار كما يقتضي المنطق، فكل الاموال التي تدخل المملكة تذهب الى تمويل مشاريع لا تحقق أي قيمة مضافة، ولا تستخدم المنح حتى في سداد جزء من الديون، ولا يتم توظيفها بالشكل الصحيح، او حتى تحويلها لتمويل مشاريع كانت معتمدة أساسا على الاقتراض، كل هذا لا يحدث في الموازنة العامة.
الموازنة
بند النفقات الرأسمالية البالغ 1.174 مليار دينار فيه غموض كبير، من حيث جدواه الاقتصادية، خاصة مع وجود مشاريع جيددة بقيمة 64 مليون دينار والباقي مشاريع قيد التنفيذ ومستمرة منذ سنوات، وقد تم رصد مشاريع ممولة من المنحة الخليجية بقيمة 510 ملايين دينار، والحديث عن الأمر فيه تخوف كبير، خاصة في ضوء الغموض الكبير الحاصل في تنفيذ مشاريع المنحة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، والتي كان واضحا أن هناك فشلا كبيرا في تنفيذها.
للأسف مشروع قانون موازنة 2015 لم يأت بجديد ولا يتناسب أبدا مع متطلبات المرحلة الراهنة، ولا يعطي أية دلالات على اعتماد الحكومة على الذات، كما تدعي، فقد بات واضحا للعيان أن الحكومة تعتمد أكثر فأكثر على المنح الخارجية، لتلبية نفقاتها التمويلية المتزايدة.
البطالة
تقول الحكومة، في آخر تصريحاتها الاقتصادية حول معدلات البطالة، إن معدلاتها ارتفعت بشكل نسبي في الربع الثاني من العام الجاري بمقدار (0.2) نقطة مئوية عن الربع الأول من العام 2014، لتبلغ 12 بالمئة، فيما بلغ المعدل للذكور 10.4 بالمئة، مقابل 20.1 بالمئة للإناث للفترة نفسها.
الغريب في أرقام البطالة، التي تعلنها الحكومة، أنها ومنذ أكثر من 15 عاما وهي تراوح مكانها ما بين 11 إلى 15 بالمئة في أسوأ الأحوال، رغم أن المتغيرات الاقتصادية والتحديات تلقي بظلالها على الاقتصاد الوطني وتحد من قدرته على خلق فرص عمل جديدة للخريجين الذين يزداد عددهم سنويا، إذ تجاوزت أعدادهم، وفق آخر إحصائية، ما يزيد على 88 ألف خريج من مختلف الجامعات والكليات في المملكة، ومع ذلك فإن البطالة في معدلاتها العامة لا تتغير وفق إحصاءات الحكومة.
حين كان النمو الاقتصادي يتراوح بين 6-7 بالمئة في سنوات 2002-2007، كانت معدلات البطالة تتراوح حول 15 بالمئة، أما الآن وفي ظل تراجع النمو الاقتصادي، وفق إحصاءات الحكومة، إلى أقل من 3 بالمئة تخرج علينا الحكومة لتقول إن البطالة انخفضت إلى معدلات متدنية ما بين 11-12 بالمئة، فهل يعقل هذا؟
إذا كان الاقتصاد الوطني يسجل أعلى معدلات النمو، التي تحققت ما قبل العام 2007 والتي بلغت حينها ما يقارب 7 بالمئة، لم يستطع أن يخلق أكثر من 56 ألف فرصة عمل، تقاسمها القطاعين العام والخاص، فكيف هو الحال اذا كانت معدلات النمو في آخر 6 سنوات تتراوح بين 2.5 – 3 بالمئة، ومع ذلك تقول الحكومة إن معدلات البطالة الآن لا تتجاوز 12 بالمئة، لا بل إنها قبل أشهر أعلنت أن البطالة انخفضت إلى ادنى مستوياتها ووصلت الى 11 بالمئة، مع أن النمو لا يتجاوز 3 بالمئة، ولا ننسى أنها تعلن في كل عام عن عدم توفر فرص عمل جديدة في القطاع العام واستثنائها في التعيين على قطاعي الصحة والتعليم فقط، فكيف تنخفض معدلات البطالة إذن؟.
حديث الحكومة المتواصل عن معدلات البطالة المنخفضة يقابله موجات هجرة بشرية لا تقوى على استيعابها اعتى الاقتصاديات، فكيف هو الحال بالاقتصاد الاردني، الذي استقبل في السنوات الثلاث الأخيرة، ما يزيد على 1.4 مليون سوري، الغالبية العظمى منهم ينتشرون ويعيشون في مختلف محافظات المملكة، وقد بات مشهدهم المعيشي اليومي مسيطرا على مختلف نواحي الحياة في المملكة، حيث يعملون في مختلف المهن ويسابقون الأردنيين والعمالة الوافدة الاخرى، واحتلوا الكثير من فرص العمل، التي كان بالامكان ان تكون للاردنيين، ورغم انه لا توجد دراسات احصائية دقيقة عن فرص العمل التي شغلها السوريون في سوق العمل في الاردن، إلا ان مركز اللاجئين في جامعة اليرموك اشار بشكل واضح الى انه في العام 2012 حصل السوريون في الاردن على ما يقارب 38 الف فرصة عمل في الاردن، وهذا الرقم يبين حجم المشكلة الحقيقية التي خلفها الوجود السوري على معدلات البطالة في المملكة، ومزاحمتهم للأردنيين، ومع ذلك تاتي الحكومة وتقول إن معدلات البطالة ما تزال متدنية وهي 12 بالمئة.
ولا ننسى مشاكل القطاع الخاص في السنوات الاخيرة، خاصة في فترة حكومة النسور التي اتخذت الكثير من الإجراءات والقرارات المالية الجبائية التي تسببت في تعطيل أعمال وأنشطة القطاع الخاص وحالت دون توسع اعماله، بل ادت الى مزيد من الضغوطات المالية عليه، الامر الذي دفع بغالبية الشركات الى وقف التعيينات او تقليلها، واعادة هيكلة انشطتها لتقليل كلفه وخسائره، مثل ما حصل مع شركات الاتصالات التي تحولت من شركات رائدة في الاعمال والابداع الى شركات بات بعضها خاسر والآخر يرى أنشطته تتراجع بشكل كبير والحكومة تتفرج، ومع ذلك تقول الحكومة إن البطالة ما تزال عند مستوياتها الطبيعية.
هناك شكوك كثيرة حول معدلات البطالة التي تعلنها الحكومة، والتي لا تتناسب مع المشاهد اليومية والتحديات التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، والتي لا تعكس حقيقة أرقام الحكومة المعتدلة.
ترحيل المشاكل
حكومة الدكتور عبد الله النسور التزمت بعدم اصدار أي ملاحق للموازنة، في إطار التزامها أمام السلطة التشريعية بتنفيذ الموازنة دون أية زيادة في الانفاق، أو إجراءات تساهم بزيادة العجز.
حقيقة ان هذا الالتزام في غاية من الاهمية ان كان صحيحا، لكن الواقع يشير الى ان الحكومة لجأت الى اسلوب جديد في تاجيل النفقات المستعجلة عليها، وهو ما يسمح لها بعدم اصدار اي ملاحق، فترحيل الدفعات المستحقة لا يعني أن الحكومة ملتزمة بمؤشرات الموازنة.
شركات الدواء تطالب الحكومة باكثر من 120 مليون دينار، وهي دفعات مستحقة منذ سنوات، كانت الحكومات السابقة تصدر الملاحق وتدفع لهذه الشركات بعض الدفعات، الا ان الحكومة الحالية رحلت الموضوع حتى اشعار اخر.
ومطالبات المقاولين تناهز الـ150 مليون دينار، وهي أموال متراكمة منذ سنوات، ولغاية الآن لم تقم الحكومة بدفع مستحقاتهم، وكل ما فعلته هو انها دفعت لبعض المقاولين من مخصصات المنحة الخليجية بسبب دخولهم في عطاءات تلك المنحة، اما المشاريع الممولة من الخزينة مباشرة فمستحقاتها ما تزال في ادراج الحكومة.
وقضية الاستملاكات، أحد أكبر المطالبات المالية، فهناك استملاكات تناهز الـ100 مليون دينار، جرى من خلالها استملاك اراضي المواطنين لغايات النفع العام، لكن للأسف لم يتم تنفيذ المشاريع التي تمت الاستملاكات من أجلها، في المقابل تدفع الخزينة سنويا فائدة 9 في المئة للمواطنين الذين لم تدفع لهم مستحقات الاستملاك، وهو ما يجعل المواطنين في غاية السعادة لأن أراضيهم المستملكة وتأخر الحكومة يعود عليهم بفوائد تزيد بكثير فيما لو أودعوا ثمن هذه الاراضي في البنوك، فأي عقل اقتصادي تفكر به الحكومة للاحتفاظ بهذه الاراضي.
هذه مستحقات مالية وجب على الحكومة دفعها، لانها اولا حقوق للمواطنين، وثانيا لانها تساعد في تنشيط القطاع الخاص، وتسديد التزاماته، وتنشيط اعماله، ثالثا لانها ترتب على الخزينة المثقلة بالاعباء المالية اعباء جديدة تساهم بزيادة حالة التباطؤ الاقتصادي.
الحكومة التي ترحل مشاكلها لإشعار آخر، وتؤجل دفع مستحقاتها وتعتبره انجازا، هي حكومة تعيش في سراب اولا، وهي حكومة تورط الحكومة التي تليها باعباء ومشاكل مالية يصعب حلها بعد فترة، هذه حكومة تهرب من الواقع من خلال ترحيل المشاكل لا مجابهتها، وتبحث عن انجازات وهمية.
الاحتياطات ووهم الانجاز
تتغنى الحكومة ليلا نهارا باحتياطات المملكة من العملات الصعبة، التي وصلت إلى مستويات قياسية جديدة بلغت 14 مليار دولار تقريبا، وهو فعلا مستوى كبير لم تصل إليه الاحتياطات في المركزي منذ العام 2010.
من الناحية النظرية الشكلية فأرقام احتياطات المركزي من العملات الاجنبية تعتبر مريحة للغاية وتبعث برسائل ايجابية على أن الاقتصاد يسير بشكل صحيح، وأن هناك تدفقات من العملات الصعبة نتيجة العمليات الاقتصادية من استثمار وصادرات وحوالات وغيرها، وهو ما يعطي انطباعات ايجابية عن اداء متين للاقتصاد الوطني.
لكن من الناحية الواقعية، فإن هذا الجدار الكبير من الاحتياطات سرعان ما ينهار اذا ما تعمق التحليل الاقتصادي لمعرفة مصادر نمو هذه الاحتياطات على هذا النحو غير المسبوق منذ سنين، وهو ما تسعى الحكومة لاخفائه عن الراي العام، وايهامه بمؤشرات ايجابية على الصعيد الاقتصادي، الا انها للاسف لا تخرج من كونها حبرا على ورق، وتخفي في كواليسها ما يستوجب على الحكومة ان تقف على حقيقة هذه الاحتياطات بدلا من التغني بسراب زائل.
فجزء كبير من هذه الاحتياطات ناتج عن ايداعات المنحة الخليجية والبالغة ما يقارب الـ3.75 مليار دولار، وهي مودعة لدى البنك المركزي، ويتم السحب منها بعد موافقات الدول الخليجية المعنية على المشاريع التنموية التي تتقدم بها الحكومة لتمويلها من المنحة، وبالتالي فان هذه الودائع في النهاية ستختفي بحكم سير الاعمال في المشاريع، وهو ما سيتم تنزيله من الاحتياطات من العملات الصعبة.
ولا ننسى ان الحكومة خلال عام واحد فقط، حصلت على 2.25 مليار دولار، هي حصيلة سندات “يوروبوند” التي حصلت عليها الحكومة من إصدارين مختلفين بكفالة الحكومة الأمريكية، كان اخرها بقيمة مليار دولار دخلت البنك المركزي الاسبوع الماضي، وهذه اموال في النهاية سيتم سحبها لتمويل نفقات الحكومة المتزايدة.
وهناك التسهيلات التي يقدمها صندوق النقد الدولي للحكومة بموجب الاتفاق الموقع بينهما، والذي يقضي بمنح الحكومة ما يزيد قليلا عن الملياري دولار في ثلاث سنوات، جرى لغاية الآن سحب ما يقارب الـ1.25 مليار دولار منهما.
واخيرا لا يزال البنك المركزي يغري البنوك الاردنية بفوائد عالية مقابل ايداعاتها لديه والتي يبلغ حجمها ما يزيد عن الـ2.5 مليار دولار باسعار فائدة متباينة ومتفاوتة، لكنها اعلى بكثير مما هي عليه في السوق، وهو ما يجعل المصارف تودع اموال المودعين في البنك المركزي مقابل تلك الفوائد.
يتبين لنا ان اكثر بقليل من 10 مليارات دولار تقريبا هي أموال طائرة إن صح التعبير، لا يجوز للحكومة ان تتغنى بها باعتبارها إنجاز، ولا تكون كذلك بالنسبة لاحتياطات المملكة من العملات الصعبة الا اذا كانت وليدة نشاط اقتصادي قادر على توليد تدفق للعملات نتيجة نمو الاستثمارات والحوالات والدخل السياحي والصادرات.
تراجع بيئة الاعمال
وكالة التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بورز” رفعت توقعاتها للاقتصاد الاردني من سلبي إلى مستقر، وهو ما اعتبرته الحكومة، وعلى لسان وزير المالية، إنجازا بفضل سياساتها واجراءاتها الاقتصادية.
والحقيقة أن التقرير الدولي يتضمن ملاحظات في غاية الاهمية، الأمر الذي يتطلب من الجهات المعنية الوقوف عليها مرارا وتكرار، حتى تقف على حقيقة التطورات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.
يعزو التقرير الدولي حالة النمو في الإيرادات، وتعديل المؤشرات المالية، وتحسن الثقة بالاقتصاد الاردني، إلى عامل رئيسي وهو المنح الخارجية التي تدفقت على الخزينة المركزية، والتي كان ابرزها سندات “يوروبوند” التي تجاوزت قيمة إصداريها الأخيرين 2.25 مليار دولار، وهذا يشير إلى مدى الدعم والثقة الأميركية بالاقتصاد الأردني، والصحيح مدى ثقة الولايات المتحدة بالدور الاستراتيجي، الذي تلعبه القيادة الأردنية في منطقة الشرق الاوسط؛ فالدعم يبقى أسير التطورات السياسية، وليس نتيجة التطورات الاقتصادية، التي اشار التقرير بصراحة إلى أن بعضها وصل إلى مستويات خطيرة، مثل المديونية.
في المقابل، ظهر تقرير سهولة الاعمال للعام 2015، والذي أظهر تراجع مرتبة الأردن العالمية إلى 117. والتقرير الدولي، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يقيس مؤشرات سهولة الاعمال في كل قطاع على حدة.
وبحسب التقرير، فقد تراجعت مرتبة الأردن في 7 مؤشرات من 10، حيث تراجعت مرتبة المملكة في مؤشرات بدء النشاط التجاري للمرتبة 86 مقابل المرتبة 82 في تقرير 2014، استخراج تراخيص البناء تراجعت للمرتبة 126 في تقرير 2015 مقابل 125 في تقرير 2014، الحصول على الكهرباء تراجعت للمرتبة 44 في تقرير 2015 مقابل المرتبة 41 في تقرير 2014، تسجيل الملكية تراجعت للمرتبة 107 مقابل المرتبة 105 في 2014، حماية المستثمرين الأقلية تراجعت للمرتبة 154 في 2015 مقابل 143 في 2014، دفع الضرائب تراجعت للمرتبة 45 في 2015 مقابل 42 في 2014، تسوية حالات الإعسار تراجعت للمرتبة 145 مقابل 144 في 2014.
وحافظت الأردن على مرتبتها في مؤشرات: الحصول على الائتمان في المرتبة 185، وإنفاذ العقود في المرتبة 114، فيما ارتفع مؤشر التجارة عبر الحدود الى المرتبة 54 في 2015 مقابل المرتبة 60 في تقرير 2014.
هذا التقرير لم يحظ بأي ردة فعل حكومية، وهو أمر مؤسف؛ فتجاهل مضامين التقرير الدولية رسالة سلبية من الحكومة إلى المنظمات والمؤسسات الاقتصادية الدولية، ولا توجد أعذار للحكومة، حتى وإن كان تصحيح الوضع ينطوي على كلف مادية لا تقوى عليها الخزينة، فالمطلوب تجاوب مبدئي من الحكومة مع متطلبات الاصلاح الاقتصادي، والتنسيق مع الهيئات الدولية تلك، والبدء فعلا بخطوات الاصلاح التنفيذي بدلا من الاختباء والتنصل وراء حجج الوضع الاقليمي ومحدودية الموارد..
وقد ورد في الدراسات المقدمة وفي الحوار الهام الذي جرى حولها مواضيع أخرى عديدة سيجري وضعها بشكل دراسة شاملة ترفع إلى صانعي القرار.




