الحياة المتوازنة تقهر ثقافة الموت
نزور بيوت عزاء لتقديم الواجب لأهل المتوفى أو لأقارب من رحلوا وكنا نعرفهم، نقرأ الفاتحة وندعو لهم ونترحم عليهم ويفاجئك أحد الحضور بقراءة نص قرآني مما يجعلك تنصت له خاشعا، ثم يقف فورا ليتحدث 10 دقائق أو أكثر عن الموت ويوم الحساب والموت ثانية، فيلجم تفكير كل من إستمع له، ولا ينجو من ذلك إلا من عرف مقصد القارىء من قراءة الآيات القرآنية فيفر من مجلس العزاء قبل أن يقف الواعظ المبشر بالموت.
تتكرر هذه الحكايا والأفعال في مجالس العزاء للسيدات، ويقود مجهولون حملة مدروسة على أعمدة الإشارات الضوئية تتحدث عن الموت وضرورة أخذ الحذر وحساب البشر، ويمتد الحال إلى المعلمين والمعلومات الذين يرعبون أجيالا كاملة وكأن حياتهم ليس لها مقصد إلا الموت.
نعم سنبقى نخاف الموت، وقبله وأهم منه نخاف رب العالمين ونقدره رغبا وثقافة وممارسة، ولكن الموت أحد حقائق الحياة مثل الحياة، أومثل السعي للعيش والإرتقاء والعمل الطوعي وأخذ أسباب العلم والمنطق والثقافة والرياضة المهمة كلها للحياة المتوازنة وتعلم التعايش والإنطلاق في إعمار الدنيا وتوخي أسباب الثراء وفتح المشاريع، ومثل إجراء الأبحاث في جميع مناحي الحياة لرفع سويتها وتهيئتها للعيش المدني للأجيال القادمة. غيرنا يبحث في كيفية تحسين الزراعة ومحاربة الأمراض ومقاومتها وقطع المسافات بشكل اسرع أرضا وبحرا وجوا، ونحن نتوجه لأسلحتهم بدلا من إختراعاتهم الدنيوية لنؤكد على الموت ولنقوم بالإسراع بقتل الناس.
لن تنفع محاولات أي منا لتغيير ما نشاهده من قتل وترويع على الأرض وفي التلفاز إذا بقينا نجادل في مكونات المعتقدات، ونرى هؤلاء المتطرفين يستعملون فتاوى وشروحات لها وجود وسبق التحدث فيها قبل مئات السنين. إنها ثقافة موجهة لأغراض الفوضى ووضع أمراء مجرمين في ديارنا على من صدقوهم من أبنائنا ليستعملوهم تحت تأثير الدين أو المخدرات لتفجير أنفسهم أو قتل آخرين معللين القتل بأنه مفتاح للآخرة.
ثقافتنا الفردية ستجبرنا إذا إحترمنا ما تعلمناه عن ديننا وعن كل الفلسفات والفكر الإجتماعي لنقول لكل من يريد أن يملأنا خوفا سواءا في مجالس العزاء أو في اللقاءات أو المحاضرات: قل لنا كيف نعيش إخوانا متحابين؟ مسلمين ومسيحيين، قل لنا كيف نعمل وماذا نعمل لنستفيد من أوقاتنا الفائضة بعد الصلاة والصوم وقراءة القرآن في تحسين تعاملاتنا أو في رفع مستويات دولنا؟ قل لنا كيف نخدم المراجعين للدوائر الحكومية والمستشفيات؟؟ قل لنا كيف نرفع مستويات النظافة في بيوتنا ومطاعمنا وسياراتنا ومستشفياتنا ومدارسنا؟؟ قل لنا كيف نجعل الطالب والطالبة يسيرون في شوارع آمنة بعيدين عن حوادث السيارات أو خادشي الحياء العام أمام مدارس طالباتنا؟ أو كيف يحمون أنفسهم من مروجي تقافة الموت من الشيوخ والمتطرفين أو من مروجي المخدرات؟؟؟
يجب أن تتوازن أهداف حياتنا وممارساتنا قبل أن يخطف مروجو المخدرات أو شيوخ الإرهاب أبناءنا من بيننا ليقتلوهم هنا وهناك بدل أن يتجهوا للحياة المتوازنة ليعيشوا في ظروف أفضل هم وأبناؤهم وإن لم نفعل فإننا وأبناءنا سنبقى خاسرين لديننا ودنيانا.
نعم، يجب أن نتعلم أن نقول بأننا نريد حياة متوازنة قبل أن تصبح دنيانا وآخرتنا جحيما متصلا.
والله الموفق،
سعيد شقم

