توجيهات النسور لمكافحة الفساد
على الرغم من أن هيئة مكافحة الفساد تعد إحدى الهيئات المستقلة التي يعيّن رئيسها وأعضائها بإرادة ملكية، إلا أن زيارة رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور تعد غريبة بعض الشيء، وقد تكون تدخلا من الحكومة في عمل الهيئة.
النسور نفسه اعتبر هذه الزيارة من باب التهنئة لرئيسها واعضائها الجدد، لكن صيغة الخبر الرسمي الذي انتشر في وسائل الاعلام فيه توجيهات واضحة من الحكومة لهيئة مكافحة الفساد بالخطوات الواجب اتباعها في المرحلة المقبلة، وما هي المحددات الواجب على الهيئة اتباعها.
كان الأجدى برئيس الوزراء ان يعطي تلك التوجيهات الى الحكومة ذاتها والعاملين في القطاع العام، لان غالبية الفساد الذي ظهر في الدولة في السنوات الاخيرة كان مصدره الحكومات ومؤسسات رسمية، فالهيئة تعرف جيدا عملها، والتعليمات والانظمة والقوانين واضحة بالنسبة للحدود الواجب اتباعها من الهيئة، لا تحتاج الى سماعها من الحكومة.
بما ان الرئيس يعطي توجيهات للهيئة حول توجهات عملية مكافحة الفساد في المرحلة المقبلة، فمن المفضل ان تتحول التوجيهات الى أفعال بدل الاقوال التي ملّ المواطنون من تكرار سماعها.
الحكومة مطالبة قبل أن “تنظّر” في مكافحة الفساد ان تقول للرأي العام على سبيل المثال لا الحصر عن انجازاتها في متابعة تنفيذ توصيات تقرير اللجنة الملكية لتقييم التخاصية الذي رعى اطلاقه النسور شخصيا، وكان الملك قال له مباشرة “إنه لا يريد أن يرى التقرير على الرف”، أو تقرير ديوان المحاسبة الذي أظهر خللا كبيرا في الاعتداء على المال العام خلال العام الماضي، وكان الامر شاملا في مؤسسات الحكومة بلا استثناء.
وإذا أرادت الحكومة فعلا الانتقال من مرحلة الاقوال الى الافعال فلتبين اما هي القضايا التي أحالتها إلى المكافحة خلال السنوات الثلاث، وليتحدث الرئيس فعلا عن عمليات استرداد الاموال التي تمت بعد إغلاق ملفات الفساد الكبرى.
صحيح انه لم يكن هناك حديثا عن الفساد في عهد حكومة النسور، كما كان في عهد الحكومات السابقة، لكن هذا سببه هو أنه لم يعد أحد يتحدث عن الفساد من قبل الحكومة ذاتها، وحتى الاعلام تحوّل هو الاخر من اعلام استقصائي الى اعلام يبحث عن سبل العيش المرضي، وبالتالي لا يعني عدم الحديث عن الفساد ان الفساد انتهى، وإنما طويت صفحته مؤقتا بسبب وضع الكثير من الملفات على الرف.
نعم هذه استراتيجية حكومة النسور في التعاطي مع قضايا الفساد، فعدم التعامل معها إعلاميا يخفيها ويبعدها عن أولويات الشارع الذي هدأ هو الاخر كثيرا في هذا الموضوع، ولم يعد يرفع شعارات محاربة الفساد كما كان في السابق.
محاربة الفساد يا دولة الرئيس لا تكون بالتنظير والجمل المنمقة، انما يكون باسترداد الاموال المنهوبة في القضايا المعلقة التي ما يزال الرأي العام بانتظار نتائجها، ويكون بتشديد العقوبات الرادعة على كل من تسول نفسه الاعتداء على المال العام، وأخذ توصيات الجهات الرقابية محمل الجد والتنفيذ المباشر لا وضع تقاريرها على الرف.
[email protected]
[email protected]

