صحيفة الكترونية اردنية شاملة

إنقاذ الطيارين الأسرى من فيتنام الشمالية

0

عندما تفشل المفاوضات السلمية في تحرير الأسرى من بين يدي العدو ، تلجأ دولهم إلى محاولة إنقاذهم بالقوة . وقد تكون إحدى وسائلها استخدام قواتها الخاصة ، نظرا لما يتمتع به أفرادها من الجرأة وسرعة البديهة والمهارات القتالية العالية . ومن أبرز العمليات التي سجلها التاريخ الحديث تلك الإغارة التي شنتها القوات الخاصة الأمريكية على ” معتقل سونتي ” في فيتنام الشمالية خلال الحرب الفيتنامية .
هذه المقالة ذات طبيعة اختصاصية تهم العسكريين بالدرجة الأولى فقد تفيدهم في التخطيط لمثل هذه العمليات إذا دعت الحاجة . أما بالنسبة للقراء المدنيين الذين يرغبون بالإطلاع عليها فإنها قد تضيف لهم ثقافة عسكرية عامة على شكل رواية مثيرة . وهنا لابد لي من التنويه بأن المجال لا يتسع لسرد تفصيلاتها والدروس المستفادة منها ونشر خريطتها لمساعدة القارئ على الفهم . ولذلك سأكتفي بعرض مجرياتها بشكل موجز ، وبيان ما تضمنته من أعمال جريئة وخطيرة تثير الإعجاب ، ومفاجاءات تبعث على التساؤلات .
ففي عام 1970 كان هناك 462 أسيرا من القوات الأمريكية محتجزين في جنوب شرق آسيا ، وقد استخدم الفيتناميون الشماليون قضية هؤلاء الأسرى ، وسيلة ضغط سياسية على الإدارة الأمريكية خلال مفاوضات السلام التي كانت جارية بينهما في باريس . إذ لم يكن لديهم أي استعداد لحل قضية اولئك البائسين إلا بعد التوصل إلى اتفاقية تضمن انسحاب القوات الأمريكية من جنوب شرق آسيا . أما في الولايات المتحدة فقد ازداد الضغط الداخلي على إدارة الرئيس نيكسون لإنقاذ اولئك الأسرى ، خاصة بعد معرفتهم بأن عددا كبيرا منهم جرحى ويعانون سوء التغذية والتعذيب .
وافق الرئيس الأمريكي على توصية الأدميرال ” تومس مورر ” رئيس هيئة الأركان المشتركة بتنفيذ عملية خاصة استمر إعدادها لما يقارب ستة أشهر ، لإنقاذ 70 طيارا امريكيا كانوا محتجزين في معتقل ” سونتي ” . ووقع الاختيار على عقيد من الجيش يدعى ” سمسونز ” ، وهو من أكفأ القادة وأكثرهم خبرة في العمليات الخاصة . وقد اختار العقيد سمسونز المقدم سدنور ليكون مساعدا له والنقيب ميدوز لقيادة قوة الاقتحام ، وكلاهما يحمل تاريخا طويلا ومميزا في العمليات الخاصة .
تم اختيار المقاتلين من القوات الخاصة بالتطوع دون إعلان عن طبيعة العملية المنتظرة . وجرت التمارين المطلوبة في قاعدة ” إيجلن ” وتم اتخاذ الإحتياطات اللازمة لإخفاء العملية عن القمر الصناعي السوفياتي وسفينة التجسس المتواجدة قبالة شواطئ فلوريدا . اقتضت الخطة نقل فريق الاقتحام البري ( 56 فردا ) بطائرتي ( C- 130 تالون مسلحة ومزودة بأجهزة الرؤيا الليلة) إضافة لطائرة تزويد جوي . ثم تنقل بثلاث طائرات عمودية إلى معتقل سونتي من أقرب منطقة أمينة وهي مدينة أودرن في تايلاند .
جرى تقسيم قوة الاقتحام إلى ثلاثة اقسام على أن تنهي مهمتها خلال 26 دقيقة :
القسم الأول . وهو فريق اقتحام المعتقل ، ويتألف من 14 مقاتلا يقوده النقيب ميدوز مزودين بأسلحة أوتوماتيكية كاتمة للصوت ، وعليه الهبوط بطائرته هبوطا اضطراريا (CRASH LANDING ) في داخل فناء المعتقل ، وإطلاق سراح الأسرى بينما تقوم طائرة عمودية مسلحة بمهاجمة أبراج الحراسة حول المعتقل وقتل من يشغلونها . وبعد انتهاء العملية يتم تفجير الطائرة في مكانها داخل المعتقل .
القسم الثاني . يتألف من 20 مقاتلا بقيادة المقدم سدنور ، ويمثل فريق القيادة والحماية ، مهمته الهبوط خارج سور المعتقل وتركيز رشاشات 60 M على طرق التقرب المحتملة لقوات العدو لمنعها من التدخل في مجموعة الاقتحام .
القسم الثالث . يتألف من 22 مقاتلا بقيادة العقيد سمسونز ويمثل مجموعة الإسناد . ومهمته الهبوط خارج المعتقل بعد ثوان من هبوط مجموعة ميدوز ، ثم يفتح ثقبا في سور المعتقل للدخول من خلاله وقتل الحرس داخل المعتقل ، حيث تكون مجموعة ميدوز في هذه الأثناء بفتح أقفاص السجن لإطلاق سراح الأسرى ، بينما تعود الطائرات العمودية إلى نقطة الانتظار . كما وضعت خطة الخدعة بأن تقوم 100 طائرة مقاتلة بالتحليق فوق هانوي دون إطلاق النيران تنفيذا لاتفاق سابق مع هانوي ، وذلك من أجل لفت انتباه الفيتناميين بعيدا عن العملية في سونتي .
مارست قوة الاقتحام التمارين العملية على الواجبات التي ستنفذها وأجرت عليها 175 تمرينا ، بينما أجرى الطيار الذي سيهبط داخل المعتقل 31 تمرينا . كما وضعت الخطط البديلة لإتباعها في حالة حدوث الطوارئ ولم يترك أي شيء للصدفة ، إذ تم تأمين شبكات الاتصال اللازمة وتحضير مفاتيح الأقفال والمناشير الحديدية والأطعمة المناسبة للأسرى .
وفي 20 نوفمبر أبلغت القوة لأول مرة بطبيعة العملية التي أطلق عليها الإسم الرمزي ” كنج بن ” فاستقبلتها المجموعة بحماس كبير . وبعد حلول الظلام نقلت القوة إلى أودرن ومن ثم صعدت إلى ثلاث طائرات عمودية كانت بانتظارها هناك . وعلى الطريق كانت طائرتي ( C – 141 ) تنتظران عودة الأسرى المحررين لإخلائهم إلى أرض الوطن .
عندما اقتربت طائرة التالون الأولى من معتقل سونتي وبعد ملاحة دقيقة قطعت خلالها 338 ميلا ، انحرفت قليلا عن الهدف تاركة الطائرات العمودية التي تحمل فريق الاقتحام لتأخذ وضعية الدخول النهائي إلى معتقل سونتي . إلا أن الطائرة العمودية القائدة للتشكيل انحرفت إلى الجنوب من هدفها مقتربة جدا من مجمع يعتقد أنه مدرسة أو منشأة تدريبية .
عرف الطيار خطأه في الوقت المناسب فانحرف بصورة حادة إلى الشمال باتجاه المعتقل وبدأ بتنفيذ مهمته وهي تدمير ابراج الحراسة وقتل من فيها وأدى مهمته على الوجه الأكمل . وبعدها بثوان قليلة هبط ميدوز مع مجموعته داخل فناء المعتقل .
انحرفت الطائرة العمودية الثالثة والتي كانت تقل مجموعة القيادة والإسناد بقيادة سدنور قليلا إلى الجنوب ، إلا أنها عدلت مسارها وهبطت خارج المعتقل ، وأخذ أفراد المجموعة باحتلال مواقعهم كما هو مقرر . أما الطائرة العمودية الرابعة والتي تحمل مجموعة سمسونز والتي تتبع طائرة سدنور فقد انحرفت أيضا إلى الجنوب . ونظرا لعدم تبادل الرؤيا بينهما بسبب الظلام ، لم تشاهد الطائرة الأمامية عندما عدلت مسارها نحو الهدف فاستمرت الثانية بنفس الاتجاه إلى أن وصلت إلى المدرسة ، وبدأت بالهبوط خارج سورها معتقدة أنها معتقل سونتي ، وهو المكان الذي حذرت الاستخبارات الدفاعية من إمكانية الخطأ به .
وبمجرد هبوط سمسونز ومجموعته على الأرض ، أدركوا أنهم هبطوا في المكان الخطأ . ولكن بعد أن فات الوقت لتصحيحه ، حيث غادرت الطائرات العمودية إلى منطقة الانتظار والتي تبعد أكثر من ميل عن موقعهم . وما هي إلا لحظات قليلة حتى وقعت المجموعة تحت تأثير نيران كثيفة من الأسلحة الخفيفة ، بدأ بإطلاقها حرس المدرسة الذين حاولوا مقاومة التهديد . فقد كانت المدرسة محصنة بالأسلاك الشائكة والمواقع مركزة جيدا ، وكان على سمسونز أن يتصرف بسرعة في ظل هذا الموقف الحرج . فأمر عامل اللاسلكي باستدعاء الطائرة العمودية ، واتصل مع سدنور الذي كان يتمركز خارج المعتقل لكي ينفذ الخطة البديلة ويقتحم المعتقل برجاله . وبدأ سمسونز الآن بمعالجة الموقف الذي يواجهه . فأمر رجاله بفتح ثقب في سور المدرسة استعدادا للهجوم عليها .
تحرك رجال سمسونز بسرعة وفتحوا ثقبا في السور بواسطة حقائب المتفجرات التي كانوا يحملونها ، وبدأوا هجوما جسورا على حامية المدرسة ، يمطرون برصاص رشاشاتهم أي موقع معاد أو أي هدف يتحرك بداخلها . وخلال 5 دقائق كان المكان يحترق وتتناثر في أرجائه 200 جثة جندي فيتنامي من بينهم مستشارين صينيين وسوفيات ، بفعل مجموعة سمسونز التي لا يتجاوز عدد أفرادها 22 مقاتلا .
عندما انتهى القتال في المدرسة وصلت الطائرة العمودية المطلوبة ، ونقلت مجموعة سمسونز إلى معتقل سونتي الذي ما زال الاقتحام عليه مستمرا وتطورت به الأحداث سريعا . فبعد ثوان من تدمير أبراج الحراسة حول المعتقل ، هبط ميدوز ومجموعته المؤلفة من 14 مقاتلا في فناء المعتقل هبوطا اضطراريا ناجحا في طائرة ( H – 3 ) واندفع رجاله للتعامل مع أقفاص المعتقل والبحث عن الأسرى .
خلال 9 دقائق من هبوط مجموعة ميدوز في المعتقل وصلت إليها مجموعة سمسونز لتقوم بإسنادها ، واستعاد سمسونز ممارسة القيادة والسيطرة على العملية ، وأمر سدنور بالعودة إلى خطته الأصلية لمنع أي قوة خارجية من التدخل بالعملية . وخلال 10 دقائق أكملت مجموعة ميدوز تفتيش المنطقة وأصبح المعتقل بأيدي مجموعة الاقتحام بعد أن قتلت وجرحت 20 جنديا فيتناميا شماليا كانوا بداخله. . وهنا كانت المفاجأة الكبرى . . إذ كان المعتقل خاليا ولم يكن فيه أي أسير يمكن إنقاذه .
قام سمسونز باستدعاء الطائرات العمودية لإخلاء مجموعة الاقتحام ولكن دون أسرى . وخلال هذا الوقت قدمت قوة نجدة معادية مؤلفة من أربع آليات إلى موقع سونتي إلا أن مجموعة سدنور كانت لها بالمرصاد فدمرتها وقتلت جميع ركابها . وبعد 27 دقيقة من بدء الاقتحام كانت آخر طائرة عمودية تخلي مجموعة الاقتحام الأخيرة ، بعد أن فجرت الطائرة التي هبطت داخل المعتقل ، ثم صعدت قوة الاقتحام إلى طائراتها عائدة إلى أرض الوطن دون أن يقتل أو يجرح أي من أفرادها ولكن دون أسرى .
وفي واقع الأمر فإن الفيتناميين الشماليين كانوا قد أخلوا الأسرى الأمريكيين من معتقل سونتي قبل أربعة أشهر من تنفيذ العملية ، ليس تحسبا لإغارة معادية عليهم وتخليصهم من الأسر ، وإنما خوفا على حياتهم من الفيضانات التي اجتاحت المنطقة إثر موسم الشتاء في ذلك العام .
أما المفاجأة الأخرى والأغرب من الخيال ، فكانت عندما كشفت المعلومات في وقت لاحق ، أن محللي الاستخبارات الدفاعية ، كانوا يعرفون خلو معتقل سونتي من الأسرى الأمريكان قبل تنفيذ العملية . وأن الوحيدين الذين لا يعرفون تلك المعلومات هم فقط قوة الإغارة ومخططيهم . . ولكنهم عرفوها عمليا من خلال الطريق الصعب الذي سلكوه عندما نفذوا عملية إغارة عمياء ، على هدف يبعد آلاف الأميال عن وطنهم دون تحقيق المهمة المطلوبة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.